2012/05/02

قصائدة مختارة من الشاعرة الكولومبية إيفا دو بيلار دوران (1976)

بواسطة William Outa

قصائدة مختارة من الشاعرة الكولومبية إيفا دو بيلار دوران (1976)

 صورة

حتّى وإن كنتَ لا تحبّني

حتّى وإن كنتَ لا تحبّني

ولا تشتهِي ثدييَ الصغيرين،

في فمك

وبكلّ هدوءٍ،

سيبزغُ الفجرُ.


كلماتٌ أخيرة

(إن أردتم أن تأخذوها كمرثيةٍ فأنتم أحرار بذلك)

إيفا دو بيلار دوران

لم تعرف شيئًا عن الندمِ

لا في رطوبة جسدها

أو حتّى في حرارة دموعها،

بحثت عن الحقيقة العليا في المجلات

نتفت بتلات الكواكب

شيّدت امبراطوريات من “الكراميل”

قطفت محاصيلها من الغيوم

كسرت القواعد

مزّقت الغبار

وكانت أدنى من نفسها،

لن يستغرق العالمُ طويلاً

حتى ينساها.


لا يهمُّ كم من المرّات

لا يهمُّ كم من المرّات

فقدتِ براءتكِ،

يظلُّ رجلٌ يأتي دائمًا اليكِ

يستحضرُ السحرَ

ويستردّه لكِ.

ومن ثمَّ،

عبر اعجوبة العطالةِ،

سيقطفُ بتلاتكِ واحدةً تلو الأخرى

ويترككِ عاريةً،

نورًا،

متأهبةً للمرة القادمة،

للمعجزة التالية.


الجابية

أحبُّ انتظاركَ بعد الظهرِ

اضيّقُ مخصري

مبللةً نفسيَ  داخله

من اجل جسدكَ كي يأتيَ

ساكن النارِ،

بهمهمته الحادّة

بصمته الواهن.

أحبُّ الانحراف في عينيكَ

حين منتصف ليلٍ في الحانةِ؛

متخليةً عن ذاتي من عمق

اشيائي المفضلة؛

الوسادة المريحة

الدربُ اليك

الذاكرة وجسدك.


الضالّة

الصبية الطيّبة في غرفة السماء الزرقاء

العاشقة عميقةُ جذورها الهادئة

ليلٌ إثرَ نارٍ يتحوّل الى بشرةٍ.

كلّية الوجود المستحيلة

التي تغادر دومًا

ولا تقول وداعًا

من دون ان تعطيَ قبلةً

بلا اعتراف

بانها سعيدة،

بانها تحبّ أنها تحيا

بانها ولادتها تكفيها.

هي التي تعلّمت أن تغفرَ

فوق كل شيء،

وبالضبط لهذا السبب

امتلأت يداها،

لهذا السبب

تغنّي عند الفجرِ

تبتسمُ حين يقولون عنها مجنونة.

هي التي أتت عاريةً الى قلب المانجا

من دون شوكةٍ أو سكّين

تغلقُ عينيها

وتمضغُ بتمهلٍّ.

وهي التي تستيقظ معك

شاردة الذهنِ

لأنها لا تتوقعُ شيئًا

لأنها تريدُ أن تلتهمكَ

لأنها تقرأ فاللاتشي*

لأنها

تحبّكَ.

*اوريانا فاللاتشي(1929-2006): شخصية ايطالية اشتهرت كصحفية بعد تغطيتها للاحداث السياسية الكبرى كالثورات والحروب في النصف الثاني من القرن الماضي.


الإمرأة التي أحببتها

الإمرأة التي أحببتها

خلال ليلةِ نبيذٍ

الساحرة

التي رقصت فوقك

التي قبّلتك في المرآةِ،

قد اشبعها

الجسدُ والموسيقى

ولم تُبقِ شيئًا

في ذاكرةِ اسمكَ

ولا حتّى عزاءًا بسيطًا

من ازدرائها.

http://colombia.poetryinternationalweb.org/piw_cms/cms/cms_module/index.php?obj_id=14988


2012/04/13

مختارات من الشاعر الياباني توشيو ناكاي (1933)

بواسطة William Outa

مختارات من الشاعر الياباني توشيو ناكاي (1933)


كلمات

دمدمةُ كلمة “صمت” بلا دراية فعلاً بالكلمة. الرميُ بعيدًا بكلِّ طيشٍ كلمةَ “طائر”.

البحثُ عن كلمة “بحر”، “إمرأة” و “سمكة” بلا أيِّ مغزى. استعمالُ كلماتٍ كـ “أصدقاء”، “بشر”، و “وحدة” دون أيِّ تردد. الوقحُ ،فقط، من يفعل أمورًا كهذه.

لم يعد بإمكاننا بعدُ معالجةَ كلمات “الحب” و “الموت”.

كجنودٍ جرحى،اُنهِكَت ،حتى الذروة، كلماتُ “الركضِ”، “القفز” و “المشي”.

علينا، في آنٍ، أن نُفرِغَ كل صفحةٍ من القاموس. علينا أن نضعَ الكتب بعيدًا في عصورٍ غابرة. علاوة على ذلك، من الضروري لنا أن ننسى الكلمات؛ وإلاّ فلن نمتلك الحقَ بأن نُسمّى متحضّرين. سنكون برابرة. وعلينا ، كلٍّ منّا، التعايشَ مع الاشياء والحركات.

وفقط في زمنِ أحفادنا،سنسمح للناسَ بأن يتلفّظوا بالكلماتِ، واحدةً تلو الاخرى، كما ولو انهم يبنون بيوتًا.

عالمٌ، حيث الايماءاتُ، الكلماث البسيطةُ والموسيقى تقودُ حياتَنا –

تصوّروا موطِنًا كهذا حيث الآن أتكلّم مهتاجًا كمريضٍ محمومٍ، وكثيرًا ما أرفضُ أن أدليَ بشهادتي بالكلمات الملائمة.


قائمةُ مفرداتٍ (الفصل الأول)

مراسمٌ.إجتماعٌ. جدًا. رجلٌ سيءٌ. يقيّد. شفاهٌ.فمٌ.لعنةٌ. أن تنموَ. مُنفرَج. ساق. ظلٌّ. مضيقٌ. فناء. ديون. تلك السماء. الطقسُ سيّءٌ. الشمسُ تشرق. يهطلٌ المطرُ. تهبُّ الريحُ. ثلوجٌ تُزهِرُ. جميعكم. مُرٌّ. سبابةُ. انتظارُ. اصبع قدمٍ. خطوة. اقامة.بقاء. وانتَ؟ زيتٌ. اسمكُ؟ بعوضٌ. أرضية. فأسٌ. بعدُ غدٍ. تنّورٌ. دبيبُ فضاءٍ. الطابق السفلي. أمٌّ. شمسٌ. أرُزّ.أغنية. أخضر. عصب. أيلٌ. أن تصنعَ.أن تخيطَ. سمكةٌ. علاجٌ. نهرٌ. أن تدرِّسَ. عدوٌ. خضروات. سلُّمٌ. نقود. مرحى. خردل. مساء. خيط. دماء. ليلٌ. لونٌ. نافذة. دجاجة. زوجٌ. في الحب. ابنٌ. مدفأة. طريق. ورقة. أرومة. ركبة. أن تغذّيَ. ماء. استلقاء. أن تقرأ. أن تقعَ.  مجنون. بقر. أن ترغبَ. نسيجُ الصوف. رباطُ الخصرِ. طائرٌ. رعدٌ.بطنٌ.بصلةٌ.يقطينة.قرْعة.العمّةُ الأكبر سنًا. العمّة الأصغرسنًّا.العامل.جسد.بحيرة.أنفٌ.غوريللا.صحنٌ.توابل.ذكرٌ.يضرب.يموت.غيوم. نساء.زوجة.فمٌ.وجهٌ.هضبة.نحلة.

قاربٌ صغير.حفيد.حفيدة.جُدجُد.فطور.أنف.صخرة.جدّة.رأس.رقص.حُبّ.قِلادة.مسقط رأس. أزرق.ملح. رمل.كيروسين. أكل!شرب! طماطم.لذيذ. سعيد.فأس.الّذي.شجرة.معبد.خصر.كلب.ببطء.يكتب.دماء.خذه بعيدًا! حديد. خردوات.ساحة البلدة.خمر.رأس.رأس.قمر.سمكة.سقف.انتشار.أن ننام.حصان.فاكهة. حكاية. أن نمشي. أن نقول. وسِخ.أصفر.أن نأكل.أن نشرب.أن نلعب.سلطعون.أيل. نهار. يدٌ. مرحبا. من أين. هذا. هاهنا. ذلك.اليوم. هنا.حقنة.إله.أن نرحل. اذهب! حذاء. أفعى سامّة.زيتون. حرارة.سجن. مطرٌ وعاصفة. ابنة.شلاّل.لسان.موسم. ثياب.قماش.كلمة.أن نحفر.قدَر.أسود.أداة استفهام.مسمار. باب. صدر.حصن.هذا اللحم.مجيء.اليوم.ينتهي.كل شيء.خنزير.حمار.عبد.جميل.بقّ.بقّ.بقّ.شجرة.صوت.حلقوم.شتيمة.زبدة.لثّة.يبيع.قلب.جفن.شعر.مؤخرة. ورقة.فرن.لصّ.من خبز.شارب.أبله.طبيب.لبّ.رمّان.صديق.كذبة.طب.اسنان.يرى.يركض.معبد.ابيض.ليل نهار.يبيع.مزار.قمر.عضو ذكري. منجل.ذقن.كل يوم.خريطة. فلاّح. باكرًا. صباح. رحلة. أخ. زوجة. بيضة. سرير. عجوز. ريح. شاي. توبيخ. إذْن. نتوء. جزَرة. سبانخ.خادم. موظف.نعم لاحقة.هذا صحيح.والد.يجبس.سوق.عشب.سيء.فيضان.يصنع.ينهض.والد.عاصفة.قلعة.الزمن الحاضر.يطير بعيدًا.نبع.نهائي.هواء.كبير.عتيق.جديد.كثير.بلدة.يمشي.يذهب.أحيانًا.نادرًا.فجأة.إرجعَ! الماضي التام.جدٌّ.مهلاً.شيطان.يحرث.شهوانية.موسيقى.اغنية.عالم.بطاطا.في الداخل.مرآة.قدوم.قدوم.حرب.الميّت.النعاس.الميّت.استفزاز.الميّت.يسمع.أصغى.صمت.اسم.مناوشة.سرطان.حجر.تلة.تلة.تلة.دمعة.نار.يراعة.اختباء.كواو.كو.كواو.

تافهةٌ كل الاشياء.يااا!


هذه الدنيا

المياهُ لا تُخطِىءُ بعضها بعضًا.

المياه تعرِف بعضها بعضًا جيّدًا.

ذاكَ ما تعرفه الأسماكُ والقصباتُ جيّدًا.

في هذه الدنيا، بكلماتٍ أخرى،

تحيا كلُّ أصنافِ المياه.

لرياحُ والرياحُ لا تُخطِىءُ بعضها بعضًا.

بالعكس،

جيّدًا تعرف الرياح الفرقَ بينها.

لذلك، تدعو الطيور والاشجار بعضها

بأسماءٍ مميّزةٍ كلّيًا.

في هذه الدنيا، بكلماتٍ أخرى،

تعيشُ كل أصناف الرياح.

هذه المياه المختلفة التي لا تُعدُّ

وهذه الرياح المتنوّعة التي لا تُحصى

تغطّي الأرض،

وبفارغِ الصبرِ تلّفها أكثر من أيِّ وقتٍ مضى.

تغلّفُ هذه الارضَ بهدوء وبقوّة.

وآنئذٍ، كالدجاج، تولدُ أشياءُ جمّةٌ

بعضها مع مظهرٍ ، وبعضها من دونه.


أصوات

بهدوءٍ

تدور الأشياءُ.

نحو هذا،

“ما هذا؟”، تسألُ كلمةٌ،

و بعد أن ترفعَ كلتي يديها،

تهرولُ بعيدًا الى عتمةٍ قريبة.

في تلك اللحظةِ،

يُصبحُ عالمُنا

نحن الاثنين

غبِـشًا.

نتلامسُ

قلبًا وقلبًا؛

على حين غرّة،

نسألُ

“ما الّذي علينا أن نفعله؟”؛

ونضحكُ خجَلاً.


صمتٌ

لو كان بإمكانيَ أن أعيشَ دون أن أكلّمَ أحدًا،

أناجي الحيوانات والنبات فقط،

فكم سيتراقصُ قلبيَ رشيقًا صافيًا.

عندئذٍ

سأشاركها كل شيءٍ؛

و كالعالم، غنيًا وبديهيًا بلا حدود،

سوف أرقصُ في الفضاء عابثًا

وأمرحُ فوق الجبال والحقول.

سوف أحدّثُ الاسماك طيلة النهار،

حتّى الطيور سترسل لنا إيماءاتها السريّة،

في حين ستدغدغ الريحُ آذاننا أو تطعن أدمغتنا

وتُبلّغنا الضروري فقط.

وإن كان بالإمكان أن ابقيَ صموتًا مع الجميع،

سأرغب بأن اكونَ مسكنًا للحشرات وللديدان تسكُن بحرية،

وأكون جبالاً وأنهارًا،

متصلّبًا ومتدفّقًا،

أرعدُ ،اُحرِقُ وأفيض حينًا،

احوزقً وأشهقً حينًا آخر.

على اية حال،

من ناحية اخرى،

اوّد ان اصمت تمامًا،

وان انتهيَ محلِّقًا عبر الفضاء؛

وبصمتٍ

مثل الأرض،

أكبرُ  في السنِّ

مع هذا العالم.


الليلُ والأسماك

ليلاً،

 للأسماك غريزةٌ

بأن تتدفّق خارج الأرض

تصفّقُ بهمّةٍ ذعانفها،

عندما تصبح المياه نادرةً

والليلُ صافٍ

تخجلُ من رذاذها الضاجّ

خشية أن يسمعها أحدٌ.

تُلوِّحُ خلال الليلِ

وتقابلُ خطوةَ ماءٍ واحدة

جنحت منذ سنين عديدة،

واضاعت طريق عودتها

وهي تدور

كما لو انها ليست قلِقة.


الليلُ والأنياب

يغرسُ الليلُ أنيابه في الأرض الأم

يشقُّ روؤسها المسننةِ

في الأرضِ المُبتَّلة

المرتجفةِ تمامًا.

أمسّدُ الترابَ بيديَّ

ريحٌ دافئةٌ غريبةٌ

رؤوسُ الأنياب المسننةِ

تحفرُ عميقًا،

تصلُ الى رأسِكَ،

أنت،

ايها النائم.

تطفو الأرضُ في السماء العظيمةِ-

وحشٌ يصلُ من بعيد

من كونٍ عتيق

كي يدفعَ الأنياب الحيةّ،

يسيلُ دمُكَ

تدور الأرض.

أمام الرغبة القاسيةِ

لهذا الوحشِ العريق،

وعبرَ أوعيتك الدموية كلّها،

تتدفقُ الصرخةُ من الصمت.


مساء

بطريقةٍ أو بأخرى

كنت على وشك ان أنطق

“بالمناسبة”

ولكنّي لم أقل شيئا

يلزم أن أحدهم قد سمعها

التقطَ “بالمناسبة” من وراء ظهري

وذهب يتحدّثُ

لا يبالي بي.

أنا المرتبكُ

كطفلٍ زجرَه

شخصٌ غير متوّقعٍ

بلا مبررٍ،

ومع ذلك

لم يستطع توبيخه؛

اشعر وكأنني

تلك اللحظة

 لم أعد موجودًا

في الغرفة .


الكرسيّ

تجلسُ على الكرسيّ

والصمتُ يخلي مكانه لك،

ولكنّك تقفُ على الفورِ

ويجلسُ الصمتُ ثانيةً.

لا تنطقُ بكلمة-

تتلاشى كلماتُكَ

في العتمةِ التي خلّفتها وراءك.


الشاعر-الحيوان

لأنني انسانٌ هجرني البشرُ منذ زمنٍ بعيد،

أعيش على الأرض،

جنبًا الى جنبِ قلوب الكلاب المهجورة بالمثل.

لن أشنّ الحربَ أبدًا من أجل العدالة أو ضد الشر،

جبانًا، سأغلِقُ عيونيَ من أجل الحبّ.

سأضحك عن طيب خاطر في الفحشاء

ولن أقلقَ ذرّةً حين البؤس،

وسأحيا

أتغوّطُ وأبوّلُ في كل مكان.

لأنني إنسانٌ يئسَ من البشر،

أعيشُ

تحيطُ بي القذارةُ، القمامةُ، الأشياء الباليةُ،

محتقِرًا كل منفعة.

لستُ تاجرًا ولا عاملاً بالأجر ولا صاحب مصنعٍ،

ذلك أنني لستُ محتلاً، ولا كاذبًا، ولستُ لصًا؛

انا فقط “لا أحد”،

أختبىء بين القمامة والقذارةِ وبين تلك الاشياء التي لا قيمة لها؛

وأعيشُ كما أحبّ

في بيتِ الروح المهجور.


بيتٌ للنجوم

دون عونِ مصممٍ كلاسيكيّ، أو مهندسٍ طليعي، بُنيَ بيتٌ في زاوية في السماء.

بُنيَ البيتُ بلا صوتِ مطرقةٍ وبلا خلطة خرسانة.

من دون سياجٍ أو جدران، ومن دون الارض حتّى،

أشياءٌ ومصروفاتٌ تُهدَرُ فقط في أماكن قاصية.

حديقةٌ ليليةٌ عاريةٌ بلا حدود.

بيتٌ صغيرٌ، خالٍ، مُعدَم.

لا شيء سوى فاكهة التنهدّات البلورية،

بلا سقفٍ، بلا أعمدة، بلا هيكلٍ فولاذي.

باردٌ، اللامعنى الباردُ.

بيتُ على شكلٍ بلوراتٍ من تنهدّاتٍ مرتجفة لا تعد ولا تحصى.

معزولةً بلا طرقاتٍ، تشكّلُ مدينة.

هذا البيت، هذه المدينة ليسا مكانًا للحياة ولا البيت مكانًا للراحة، بل للغضب، فقط للشعور بالغضب.

كانت الحياة ضرورية في هيروشيما وناغازاكي. كانت الحياة ضرورية في اوشفيتز وفي ستالينغراد.

ومع ذلك، ليس في تلك المدينة زائرون. ذلك البيت. البيت حيث لا تسكن الا النجوم، بيتُ النجوم، بيتُ التنهدّات البشرية.

سيتبخّر عند الغضب. بيتٌ يوقظ ،بكل رونقٍ، وهمًا تمامًا كالإغماء، حلمًا خافتًا في نهاية اليأس.


13

قصائدي

تقريبًا

سُرِقَت منكم؛

من الشمسِ،

من الريح،

من الأرض،

من البحر.

وقد سرقتُ -يا أبناء الأرض-

من قصائدكم أيضًا

من شوارعكم،

من غرفكم،

وفوق كل شيء،

أخذتُ شيئًا من أجسادكم ومن أذهانكم

وتشاركتُ به.

إن أمكن،

أوّد أيضًا أن تسرقوني أنتم،

تسرقوا حياتي

التي لا يعلم أحدٌ لمن تنتمي.

لا أحد بإمكانه خصخصة أجسادنا أو قلوبنا،

لأننا ملكية مشتركة!

حتّى الكلمات لا يُمكن خصخصتها

وليست هي بملكيات خاصة.

كل الاشياء هي الملكية المشتركة

لمئات ملايين النجوم،

مع انكم تعتقدون

انكم وحيدون.


المصدر

http://www.poetryinternational.org/piw_cms/cms/cms_module/index.php?obj_id=10706

2012/04/05

مقدمة في أثرِ المشكلات السياسية في الصدر الأول للإسلام في نشأة بعض المسائل الكلامية

بواسطة William Outa

مقدمة في أثرِ المشكلات السياسية في الصدر الأول للإسلام  في نشأة بعض المسائل الكلامية


الاخضر القرمطي 

مقدمة

لا يمكن البحث عن أصل الفكرة إلاّ في واقعٍ إجتماعي كان السبب الأخير في ظهورها. هذه هي نقطة إنطلاقنا في بحثنا هذا. يُصبِحُ حاملُ الفكرةِ عندئذٍ حاملاً لنسقٍ إجتماعي مُتعدد البُنى والظواهر. وما أصل الخلاف في الافكار بين حامليها المختلفين إلاّ في الواقع الاجتماعي بخلافاته وصراعاته السياسية والاقتصادية؛ فالصراع الفكري النظري يكون بذلك إنعكاسًا غير مباشرٍ للصراع الاجتماعي السياسي الاقتصادي، حتّى ولو لم يعِ “المتصارعون” في الرؤى هذه الحقيقة. قلنا إنعكاسًا غير مباشر تأكيدًا منّا على الاستقلالية النسبية للفكر أمام الواقع الاجتماعي المادي، فهو ليس انعكاسٌ مباشرٌ ميكانيكيّ كإنعكاس الوجه في المرآة، إنه إنعكاسٌ يحتفظ  للفكر بدرجة من الاستقلالية وبهامش كبير من تمظهره بمظهر “المستقل” عن الواقع الاجتماعي الّذي يفرزه، ويضمن لهذا الفكر مساحةً ،تتراوح في سعتها،من التحرّك و”السيرورة” الذاتية. إلّا أن هذه الاستقلالية النسبية وهذه المساحة تظلّ في نهاية المطاف “مشدودةً” الى الواقع الاجتماعي وما يفرزه، لهذا السبب يستحيل الكلام عن فكرةٍ، فلسفةٍ، أيديولوجيا، أو علم كوقائعٍ مستقلة بحد ذاتها، متعالية عن صيرورة التحوّلات الاجتماعية المادية.

إن كلامنا هذا لا ينفي بالطبع أثر مكوّناتٍ أخرى تلعب دورًا بارزًا في ظهور الأفكار وتطوّرها، وهذه المكوّنات هي تلك ذات الطابع النظري الثقافي البحت (كالأفكار القادمة من مجتمعات أخرى، أو التي تنتمي الى زمنٍ اجتماعي مختلف..) أو هي ذات طابع شخصي نفسي (تتعلّق بالحياة الفردية لحامل الفكرة وبتجاربه الحياتية وبتطلعاته الخاصة..).

والصراع هو الحالة التي تستبطنها الأحداث الاجتماعية كافةً، وتُعتَبَر ظاهرة الصراع ظاهرة ذات أبعاد متناهية التعقيد، بالغة التشابك، يمثل وجودها أحد معالم الواقع الإنسانى الثابتة، حيث تعود الخبرة البشرية بالصراع إلى نشأة الإنسان الأولى، حيث عرفتها علاقاته فى مستوياتها المختلفة: فردية كانت أم جماعية، وأيضاً فى أبعادها المتنوعة: نفسية أو ثقافية، سياسية أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو تاريخية.

ويحدث الصراع الاجتماعي نتيجة لغياب الانسجام والتوازن والنظام والاجماع في محيط اجتماعي معين . ويحدث ايضا نتيجة لوجود حالات من عدم الرضى حول الموارد المادية مثل السلطة والدخل والملكية او كليهما معا . اما المحيط الاجتماعي المعني بالصراع فيشمل كل الجماعات سواء كانت صغيرة كالجماعات البسيطة او كبيرة كالعشاثر والقبائل والعائلات والتجمعات السكنية في المدن وحتى الشعوب والامم . كما أن الصراع ينشأ ولا بد نتيجةً لمصالح الأفراد والجماعات المختلفة والمتناقضة مع بعضها البعض، وعلى المستوى الجماعات تأخذ هذه المصالح شكلَ مصالح اقتصادية أو سياسية بالدرجة الأولى.

وفي التاريخ الإسلامي،وهذا ما يعنينا، جاء علم الكلام-موضوع البحث- ليواجه جملة من التحديات والإشكالات التي واجهت العقل المسلم على مستوى العقيدة، إذ إن علم الكلام يقوم شاهدا على الدور التاريخي الذي قام به المتكلمون للدفاع عن العقيدة في مواجهة مختلف التيارات والأفكار التي كانت تحوم حول هذه العقيدة بغية تشويهها وتحريفها. ويُمكن القول أن علم الكلام الاسلامي كتيار فكري يبغي الدفاع عن العقيدة الاسلامية بالأدلة العقلية، يحوي في داخله الى هذا الحد أو ذاك وجوهًا متعددة من الصراعات الاجتماعية التي أسست- بعد وفاة النبي وربّما قبله- للتيارات الكلامية المتنوّعة والمتصارعة على مستوى الفكر.

وقد لعب الصراع السياسي دورًا بارزًا في تعدد المذاهب الدينية والكلامية بحيث يمكن القول: إن معظم الفرق التي ظهرت في الإسلام يرجع أصلها في المقام الأول إلى أسباب سياسية تتصل بالسياسة. والتنازع على الحكم ويظهر الدور السياسي بوضوح في ظهور الخوارج، والشيعة منذ الفتنة الكبرى، وحدوث الخلاف بين على بن أبى طالب وأصحاب الجمل، وبينه وبين معاوية.. وبعد مشكلة الخلافة بدأت العلاقة الواضحة بين الديني والسياسي، وكانت الفرق عبارة عن أحزاب، ولكن هذه الأحزاب لم تتخذ الشكل السياسي البحت، بل اصطبغت بصبغة دينية قوية، وصار كل حزب سياسي فرقة دينية، وصار الذين يقتلون سياسياً يقتتلون دينياً، وبدلاً من أن يسمى الحزب اسماً سياسياً يدل على المبدأ السياسي الذي يدعو إليه تسمى اسماً يدل على المذهب الديني كشيعة وخوارج، ومرجئة، حتّى أمكن القول، انهم بدلا من أن يتحاجوا بما ينتج عن أعمالهم من مصالح ومفاسد تحاجوا بالكفر والإيمان، والجنة والنار..ألخ

يقينًا أن هذه العوامل لم تكن وحدها “المسؤولة” عن نشأة هذا العلم، فلا يمكن البتة نفي أثر النصوص الدينية (القرآن والأحاديث)، أو أثر الديانتين اليهودية والمسيحية والمِلل والنِحَل الأخرى (كالديانات الفارسية والهندية والصابئة..)، كما لا يمكن نسيان الأثر المهم للفلسفة والمنطق اليونانييْن؛ وبالرغم من أهمية هذه العوامل،وبالأخص القرآن الكريم، إلّا أنه لم يكن الخلاف حول نصوص القرآن الكريم وحده سبباً “كافيًا” في نشأة الفرق الاسلامية إذ أن النزاع السياسي في صدر الاسلام كان له الأثر الأكثر أهمية وخطورة.

ولهذا السبب ، سيقتصر بحثنا هذا على أثر الصراع السياسي في الصدر الأول من الاسلام وأثره في نشأة علم الكلام. وسنتناول بالتفصيل أهم الخلافات السياسية في هذا الزمن من ظهور الاسلام. ففي هذا الوقت برزت مشكلات سياسية كالإمامة وما ارتبط بها من صراعات بدأت منذ أواخر عهد الخليفة الثالث والتي انتهت بمقتله، والتي وصلت ذروتها الى واقعة حرب الجمل والحرب بين معاوية وعلي بن ابي طالب. عن هذه الأحداث، ظهرت أسئلة إشكالية تتناول الحاكم وموقعه وشروط اختياره، وإشكالية مرتكب الكبيرة نظرًا للدماء المسفوكة بين المسلمين، كما ظهرت اشكالية فلسفية على قدر من الاهمية هي تلك المتعلقة بمدى مسؤولية الانسان عن أفعاله، وهل هو مجبَرًا مسيَّرًا أم انه يملك حريةً في الارادة والاختيار.

ولم يكن إختيارنا لهذا الموضوع وليد الصدفة أو العبث، بل لعلّةٍ موجبة، إذ اننا نعتقد أن الخلافات المذهبية والفقهية التي تقضّ مضجع أصحاب الدين الواحد اليوم، اي الاسلام، هي بوجهٍ من وجوهها استمرارٌ لتلك الخلافات التي ظهرت في الصدر الأول للإسلام، مع التأكيد على ملاحظة ضرورية في هذا المجال: فالماضي لا يستمر في الحاضر بل ان الحاضر يعيد استدعاء هذا الماضي إنطلاقًا من شروطه (اي من شروط الحاضر)، اي بمعنى اوضح، إن خلافات المسلمين اليوم ليست هي ذاتها خلافات مسلمي الماضي – في الصدر الاول للإسلام وما أسس له- التي تتكرر كما هي إلاّ بالظاهر – كمقولات ومفاهيم وقضايا وإشكاليات وأسئلة – أما محتواها و مقاصدها  فقد كانت عرضةً للتغير بقدر ما كانت المجتمع المسلم متغيِّرًا. هذا من جهة،أما من جهةٍ أخرى، فخلافات اليوم النظرية لها أيضًا جذورها المادية الاجتماعية ولها ما يؤسس لها من صراعات سياسية وغير سياسية بين جماعات المسلمين المختلفة، وهي صراعات أصبحت اليوم تحتل واجهة الحياة السياسية في البلاد العربية والاسلامية.

في الفصل الأول، سنعرض للأحداث التاريخية التي تلت وفاة النبي العربي حتّى واقعة الفتنة الكبرى وما نتج عنها من تصوّرات وتساؤلات لدى الفرق المتنازعة، أمّا في الفصل الثاني فسنعرض لكيفية تكوّن الارهاصات الأولى لبعض المسائل الكلامية إنطلاقًا من هذه الاحداث السياسية المفصلية في التاريخ الاسلامي.

في مطلق الأحوال، عسانا أن نوفّق في بحثنا هذا.

الفصل الأول

وفاة النبي، أحداث الفتنة الكبرى وما تمخّض عنها من إشكاليات

” أمّا بعد، فمن كان معكم يعبد محمدًا، فإنّ محمّدًا قاد مات، ومن كان منكم يعبد الله، فأن الله حيٌّ لا يموت”

أبو بكر

مات النبي محمّد بن عبدالله عام 632 م في المدينة عن عمرٍ ناهز الاثنتين والستين عامًا، بعد إثنتين وعشرين عامًا من قيامه بالدعوة، قضى منها الثلاثة العشرة الأولى في مكّة، وقضى الأعوام الأخيرة منها في المدينة بعد الهجرة.

ما إن اُعلِنَت وفاة النبي العربي حتى “تنبّهت لدى كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، نوازع الصراعِ على السلطة”[1]. ولم يقتصر بروز هذا الصراع على المهاجرين والأنصار، بل تعدّى ذلك الى انقسام آخر بين المهاجرين أنفسهم، حيث عادت الى الحياة رواسب الخلافات القديمة بين بني هاشم الّذي ينتمي اليهم النبي وابن عمّه علي بن ابي طالب من جهة، وبني عبد شمس وتيم وأميّة وغيرهم، الّذين ينتمي اليهم سائر المهاجرين، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر بن خطّاب، من جهة أخرى. كما يُمكِن التحدّث عن الصراع القديم بين مكّة، حيث أرستقراطية قريش التجارية وحيث التمايز الاجتماعي الواضح من جانبٍ[2]، والمدينة تلك المنطقة الزراعية، حيث تغيب الى حدٍ ما تلك التناقضات الاجتماعية الفاضحة وحيث استُقبِلت الدعوة المحمّدية “بصدرٍ رحبٍ” من جانبٍ آخر.

كما يُمكِن التكلّم عن عوامل اُخرى كان لها دور في تفجّر الصراع على الخلافة، لعلّ من أهمها: الأخطار التي كانت تكشّر عن أنيابها من خارج مجتمع المدينة، ومنها خروج أهل الردّة والاضطرابات الناجمة عنه بين القبائل القاطنة جنوب الجزيرة العربية ووسطها التي كانت تهدّد المدينة نفسها تهديداً حقيقياً[3]؛ والخطر الثاني الذي كان يحدق بالمدينة هو خطر الروم والفرس، إذ كان الخطر الأول خطراً عظيماً وحقيقياً[4].

وانصبّ اكثر اهتمام علماء الكلام من الفرق المختلفة بموضوع « الامامة » ، لأنّ « الإمامة » كما عرّفت في كتب الشيعة والسنة : « نيابة عن النبي في أمور الدين والدنيا » ولأنّ النبي قال ـ في الحديث المتفق عليه ـ « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ». فتكون الشئون الدينية والدنيوية منوطة كلها بالامام ، وتكون معرفته ثم طاعته واجبةً في جميع المجالات. “[5]. أما ابن خلدون فيعرفها بقوله: “هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”[6]. “والذي يبدو من استعراض الأحاديث الواردة في باب الخلافة والإمامة أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – والصحابة والتابعين الذين رووها لم يفرقوا بين لفظ خليفة وإمام، ومن بعد تولية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أضافوا إليها لفظ: أمير المؤمنين – وإلى ذلك ذهب العلماء فجعلوها من الكلمات المترادفة المؤدية إلى معنى واحد فيقول النووي: (يجوز أن يقال للإمام: الخليفة، والإمام، وأمير المؤمنين)”[7].

يقول الشهرستاني ( الملل والنخل ) في هذا الصدد : ” وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان”[8]، ويقول أبو الحسن الأشعريّ: “أوّل ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد وفاة نبيّهم صلى الله عليه وآله اختلافهم في الإمامة”[9].

 وبهذا الكلام يتبدّى لنا خطورة مسألة الإمامة كمسألة سياسية دينية كان لها الأثر العظيم على نشوء المذاهب والفرق الكلامية فيما بعد. ذلك إن مسألة الحق الديني في الخلافة (أو الإمامة) كان لها الدور في نشوء محورٍ للصراع يرتبط بتحديد المفهوم الديني الاسلامي للخلافة، فهل الخلافة حق إلهي وهل منصب الخليفة منصب إلهي كشأن مفهوم النبوّة، وبهذا يكون الخليفة – أفضل الناس وأعلمهم – إمامًا على المسلمين ويكون اختيراه بواسطة الوحي الالهي المُنزَل على النبي، ويكون على النبي تبليغ المسلمين هذا الإختيار بنصٍّ واضحٍ صريحٍ، ويكون واجبًا على المسلمين الخضوع لهذا الاختيار والاعتقاد به كجزء من الايمان، أو كأصلٍ من أصول العقيدة؟ أم انّ الخلافة منصب رئاسي لا يأتي اختياره من الله، بل هو حق من حقوق المسلمين الّذين يقررون بأنفسهم طريقة اختيار الخليفة والصفات التي يجب ان يتحلّى بها؟

يلّخص الشهرستاني الإشكالية التاريخية عندما يقول ان “الخلافة في الإمامة على وجهين:

أحدهما القول بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والإختيار. والثاني القول بأن الإمامة تُثبت بالنص والتعيين.”[10]

“وما تجب الاشارة اليه هو ان هذه المناقشات التي انطقت ضمن هذه الذهنية تناولت ليس فقط صفات الامام والسلطة المعترف بها لكل شخص تبوّأ منصب الامامة، بل تناولت أيضًا مواضيع أخرى أعمّ ظهرت اثناء تتالي الاحداث”[11].

اذًا، بعد وفاة النبي، وفي خضّم هذه الشروط، كان على المسلمين الأوائل أن يحسموا مسألة الإمامة اي خلافة الرسول. وقد ظهر بين هؤلاء ثلاثةُ آراء:

1-  رأي الأنصار وهم أوّل من آوى الرسول ونصره، واعتبروا انهم الأحق بالخلافة. وقد أعلن الانصار سعد بن عبادة أميرًا لهم، وطالبوا به إمامًا على المسلمين.

2-     رأي المهاجرين، وهم أوّل الناس إسلامًا، وكانوا قريشيين بمعظمهم.على رأسهم أبو بكر[12] عمّ الرسول وأوّل الداخلين الى الاسلام.

3-  رأي بني هاشم،الّذي كانوا يمثّلون عائلته الضيّقة واعتبروا انهم هم أولى بالخلافة لأنهم أقرب الناس الى الرسول. إليهم ينتمي ابن عم الرسول علي بن ابي طالب،والعبّاس بن عبد المطّلب وعمّار بين ياسر وغيرهم. وقد استند أنصار علي الى حديث الغدير

قام كل فريقٍ من الفرق الثلاث المذكورة سابقًا بالإستناد على أحاديث دينية تسوّف وجهة نظره وتدعمه في مسعاه السياسي. يهمّنا هنا موقف الفريقين الأخيرين. فالفريق الّذي سيستلم الإمامة بعد وفاة النبي، سيستند الى ما ذكره النبي حين قال :” ” قريش ولاة هذا الأمر ، فبر الناس تبع لبرهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم “. قال : فقال له سعد بن عبادة [زعيم الأنصار]: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء.[13] وقد وردت في السنّة النبوية عند أهل السنة والجماعة نصوص كثيرة تصرّح بفضل أبي بكر وتقديمه على غيره من الصحابة [14]. وهذا الحديث الأخير جعل العديد من المسلمين يعتبرون ان “الامامة في الصلاة هي الامامة الصغرى، وأنّ ذلك يوحي بإسناد النبي الإمامة الكبرى الى أبي بكر، وهي الإمامة العامة في سائر شؤون الإسلام والمسلمين.”[15]

أمّا أنصار علي، فقد قالوا بالحق الإلهي للإمامة، وهم يذكرون لإثبات ذلك نصوصًا عدّة، أبرزها على الإطلاق ما يسمّى بحديث الغدير حديث الغدير، حيث يروى عن النبي محمد – صلى الله عليه و سلم – أنه قال في حجة الوداع وبحضور حوالي أكثر من 100.000 إنسان وفي حر الظهيرة بعد أن حمد الله تعالى واثنى عليه، ووعظ فأبلغ في الموعظة ونعى إلى الاُمة نفسه:«أَيّها الناس إنّي قد دعيت ويوشك أن اُجيب وقد حان مني خفوق من بين أظهركم وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.ثم قال: إنّ الله مولاي وأنا ولي كلّ مؤمن ومؤمنة.وأخذ بيد علي بن أبي طالب وقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه(عليه السلام) (وكرر النبي هذه الجملة ثلاث مرات) اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه واحب من احبّه وابغض من ابغضه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحقّ معه حيث دار»[16]

في كل الأحوال، ورغم غياب علي بن ابي طالب، تمت مبايعة ابي بكر ليصبح أول خلفاء المسلمين. وإن كانت” بيعة ابي بكر قد أجلّت الخلاف الّذي قام بين المسلمين حول الخلافة عقب وفاة الرسول مباشرةً، أو أرجأته ولكنّها لم تنهه أو تقضي عليه”[17].

ولم تستمر خلافة أبي بكر إلا سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام استطاع خلالها إخماد حركة الردة[18] والخروج عن سلطة المدينة. وقبل موته عادت مشكلة الخلافة من جديد فما كان من أبي بكر إلا أن حلها بالوصية إلى عمر بن الخطاب الذي أصبح خليفة.

استمر حكم عمر بن الخطاب عشر سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما تمت خلالها معظم أوائل الفتوحات الإسلامية خصوصا فتح بلاد الشام وبلاد الرافدين ومصر. كل هذا جعل من الدولة الإسلامية تتحول إلى بداية إمبراطورية مترامية الأطراف تشمل العديد من الأراضي والأقوام والشعوب. تدفقت الأموال على المدينة المنورة وانتعشت الحياة الاقتصادية مما أثار فعليا مخاوف أمير المؤمنين الذي عرف بزهده وعدله، ورغم ما عرف به عمر من عدل يتجلى في قصص كثيرة (قصة ابن عمرو بن العاص مع القبطي : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا).

قبل وفاة ابن الخطاب فطن إلى طريقة جديدة في اختيار الخليفة القادم تخلصه من مسؤولية الاختيار والتي ستكون تطبيقا فريدا لمبادئ الشورى التي يحض عليها الإسلام : ما كان من عمر إلا أن اختار مجموعة من ستة أشخاص (هم من بقي من العشرة المبشرين بالجنة) أي إنهم أشخاص قد حازوا رضا الله ورسوله وأمرهم أن يجتمعوا بعد موته لاختيار خليفة المسلمين.

انحصر أمر الخلافة بعد أول جلسة شورى بين علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، مما دفع بالأمر لإجراء استفتاء في المدينة قام به عبد الرحمن بن عوف وكانت نتيجته لصالح عثمان بن عفان.

ومنذ خلافة عثمان، بدأ يظهر الشكل الديني للصراع على الخلافة بوجهٍ واضحٍ، “وقد ساعد ذلك ما حدث في سلوك الحكّام الّذين يمثلّون الخليفة في الأمصار الممتدة اليها سلطة الخلافة، من صرف أكبر اهتمامهم الى الإثراء الشخصي بطرق اعتباطية، كإمتلاك أراضي الآخرين، وكفرض الضرائب الثقيلة على السكّان حتّى تجمّع الاستياء و[...] تحوّل الى ثورة قام بها فريقٌ من البسطاء وعلى شكل وفود قدمت الى مكة والمدينة [عبّرت عن استيائها وحاصرت عثمان] في داره حتّى لقيَ مصرعه”[19].

بعد حدوث الفتنة ومقتل عثمان بن عفان، بايع كبار الصحابة الإمام علي بن أبي طالب لخلافة المسلمين، وانتقل إلى الكوفة ونقل عاصمة الخلافة إلى هناك، وبعدها انتظر بعض الصحابة أن يقتص الإمام من قتلة عثمان، لكنه أجل هذا الأمر. يرى أهل السنة أن علي بن أبي طالب لم يكن قادراً على تنفيذ القصاص في قتلة عثمان مع علمه بأعيانهم، وذلك لأنهم سيطروا على مقاليد الأمور في المدينة النبوية، وشكلوا فئة قوية ومسلحة كان من الصعب القضاء عليها. لذلك فضل الانتظار ليتحين الفرصة المناسبة للقصاص[20]، ولكن بعض الصحابة وعلى رأسهم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رفضوا هذا التباطؤ في تنفيذ القصاص ولما مضت أربعة أشهر على بيعة علي دون أن ينفذ القصاص خرج طلحة والزبير إلى مكة، والتقوا أم المؤمنين عائشة التي كانت عائدة من أداء فريضة الحج، واتفق رأيهم على الخروج إلى البصرة ليلتقوا بمن فيها من الخيل والرجال، ليس لهم غرض في القتال، وذلك تمهيداً للقبض على قتلة عثمان، وإنفاذ القصاص فيهم. أمّا الشيعة فيرون أن علي بن أبي طالب أجل الحكم بالقصاص لسببين:

الانتظار حتى تهدأ الفتنة؛ لم يكن الإمام قادراً على تنفيذ القصاص في قتلة عثمان لعدم علمه بأعيانهم، لذلك فضل الانتظار لتبيان لقتله، وأخذ البيعة من أهالي الأمصار وعزل الولاة وتعيين ولاة جدد وذلك لتقليل سخط الناس على بعض الولاة حيث اتهم اهل الشام ومصر الولاة بالعمل لمصالح شخصية على حساب مصالح الناس وعدم الحفاظ على سنة النبي، فأراد الإمام بذلك احقاق الحق وتهدئة النفوس واعادة الامور إلى نصابها. ويفسر الشيعة خروج طلحة والزبير بأنهما بايعا الإمام طمعا في منصب وهو مالم ينالاه لذلك خرجا عليه واتخذا من القصاص لمقتل عثمان حجة لعزله عن الخلافة أو قتله، اما أم المؤمنين عائشة فهي من حرّض الناس على قتل عثمان فهي من قالت: “اقتلوا نعثلاً (عثمان) فقد كفر”[21]، وهي التي أثارت الحرب وحرضت طلحة والزبير وأخبرتهم بأن الإمام علي هو من قتله أو سهل مقتله.هذا في ظاهر الأمور، اما في ما حُجِبَ منها يُمكِن التكلّم عن أسباب أخرى أهمّها[22]:

-         قيام علي بعزل جميع ولاة عثمان وقد أثارت هذه الخطوة حفيظة الأمويين أقارب عثمان بن عفان .

-    اعتقاد طلحة والزبير أن لهما نصيباً في السلطة وطمحا بأن يعينهما عليٌّ ولاة على العراق واليمن ولما انكشف لهما الأمر وخاب ظنهما انفضا من حول الإمام علي.

-         الخلاف القديم بين عائشة زوجة الرسول وعلي بن أبي طالب.

نتج عن مقتل عثمان، وتسلّم علي مقاليد الحكم، ما سيُعرَف بالفتنة الكبرى في التاريخ الاسلامي في موقعة الجمل. و موقعة الجمل هي معركة وقعت في البصرة عام 36 هـ بين قوات علي ابن أبي طالب والجيش الذي يقوده الصحابيان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام بالإضافة إلى أم المؤمنين عائشة التي قيل أنها ذهبت مع جيش المدينة في هودج من حديد على ظهر جمل، وسميت المعركة بالجمل نسبة إلى هذا الجمل.

يختلّف مؤرّخو الشيعة ومؤرّخو السنّة حول تفاصيل ما حدث في هذه المعركة، من حيث سبب خروج الجيشين، وكيفية بدء القتال وانتهائه. ولكن، وكما هو معروف، انتهت المعركة بإنتصار جيش علي، و قتل في المعركة عشرة آلاف من جيش البصرة ( ثلث الجيش ) وخمسة آلاف من جيش علي بن أبي طالب ( ربع الجيش)، وانتقال مركز الخلافة من المدينة الى الكوفة، اي الى اطراف الدولة الاسلامية، ومن أبرز ما نتج عن هذه المعرَكة يُمكن القول ان الهالة المقدسة حول الخليفة والخلافة الاسلامية قد سقطت.

ولم يمض زمن طويل على هذه الواقعة التي انتهت بانتصار عليّ بن أبي طالب حتّى أعلن معاوية بن أبي سفيان والي الشام منذ عهد عمر بن الخطاب مطالبته بدم الخليفة المقتول، وبدأت الحرب بينه وبين علي بن أبي طالب الذي انتقل إلى الكوفة، عرف الصراع بين الرّجلين مراحل عديدة، وتعدّدت الوقائع بين أتباعهما، ومثّلت واقعة صفّين حدثا مهما في مسار هذا الصراع، فبعد هذه الواقعة خرج عدد من أتباع علي بن أبي طالب عنه لقبوله التحكيم، وأخذوا يتعرّضون لأتباعه، فقاتلهم علي بن أبي طالب، وانتصر عليهم يوم النّهروان، ومن أجل الثأر لقتلاهم ولوقف الفتنة سعى الخوارج إلى قتل المتسبّبين فيها، ونجحوا في قتل علي بن ابي طالب، وتنازل الحسن بن علي عن حقّه في الخلافة التي آلت إلى معاوية بن أبي سفيان، وبذلك انتهت الفتنة في مظهرها العسكريّ، وتفرّق المسلمون إلى طوائف ستظلّ تتصارع إلى يوم النّاس هذا.

هذه الفتنة الكبرى(36ﻫ)- وما تلاها-  هي الحدث السياسي الأخطر الّذي سيكون له الأثر العظيم في تبلور ونشوء المسائل الكلامية ذات الصلة وعلى رأسها: مسألة مرتكب الكبيرة ومسألة مسؤولية الإنسان عن أعماله. وهي المسائل التي ستطرحها الفرق الكلامية والمذاهب الاسلامية الدينية السياسية التي تبلورت على إثر هذه الاحداث السياسية التي ما زالت تُرخي بظلالها الثقيل حتى يومنا هذا. هذا وقد أسست هذه الأحداث السياسية الكُبرى لنمطٍ من التفكير الديني- العقلي نقل الى حيّز النقاش والجدل مسائلاً كلامية على قدر كبير من الأهمية، وهذه المسائل هي:

1-   مسألة الحاكم وشروط اختياره ومدى وجوبه (مسألة الإمامة)، وهي مسألة ذات طابع فلسفي سياسي.

2-  مسألةمشكلة مرتكب الكبيرة، بعد معركة الجمل، حيث نشأت من التساؤل عن موقف الفريقين، أيهما على حقّ وأيّهما على خطأ.

3-  مسألة مدى مسؤولية الانسان عن الكبيرة التي يرتكبها، وهي المسألة التي ستنقل المتكلمين ومن ثم الفلسفة الاسلامية العربية الى تناول مسألة القدر والحرية والاختيار والجبرية.

الفصل الثاني

مواقف الفرق الاسلامية من مسألتي الإمامة ومرتكب الكبيرة

 

تبيّنَ لنا أنّ مشكلة الحكم بعد وفاة النبي كانت أساس الصراع السياسي ونشؤ الأحزاب والفرق الإسلامية، وقد أدت مشكلة الحكم إلى صراعات بين المسلمين وقد أدى هذا الخلاف إلى بروز فئة جديدة كان لها دور كبير على المسرح السياسي اثر النزاع بين علي ومعاوية وان قبول علي للتحكيم هو أساس ظهورهم ، الا وهم الخوارج .

ومما يجدر ذكرة أن هذه الفرق والأحزاب لم تظهر دفعة واحدة ولم تضع برامجها السياسية بصورة ثابتة ومدونة ، وانما آخذت تستقي أسس مبادئها وأفكارها من المصادر الإسلامية الأساسية وتفسيرها للقران الكريم والسنة النبوية ومن تجارب الأمة العربية والإسلامية ، ولما كانت هذه الفئات السياسية قد ظهرت في مجتمع اساسة الدين وبهدف قضية أساسية دينية (الخلافة) فلا بدلها أن تأخذ شكلا” دينيا” لكي تستطيع ان تكسب لها اكبر عدد من المؤيدين.

أولاً: الخوارج[23] ومسألة مرتكب الكبيرة ونظرية الإمامة:

تكوَّنت في العقد الرابع من القرن الأوّل بعدما نشبت الحرب بين الإمام عليّ  ومعاوية بن أبي سفيان. وقد انشعب الخوارج فيما بينهم وتشتت مذاهبهم , وإلا أنهم اشتركوا في مسائل ثلاث :

1\ إكفار علي (عليه السلام ) وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وكل من رضي بالتحكيم .

2\ إكفار مرتكبي الذنوب .

3\ إيجاب الخروج على الحاكم الجائر.

رفع الخوارج شعار خلاصته أن “الحكم لله لا للرجال” وأنّ “الحقّ حقُّ الله”، فليس لأحد أن يتصرّف به أو يجعل أحدًا من الرجال حكمًا يحكم به على هواه.  و”تطبيقًا لهذا المبدأ، قالوا انه ليس لنبي اذا وضع لأمّته أمرًا أن ينكص على عقبيه. وما دام علي قد قبِلَ التحكيم في حقٍّ وضعه النبي فهو اذن قد نكص على عقبيه”[24]. وقد استند موقفهم هذا، وما قاموا به بعدئذٍ من عمليات اغتيال، على مفهومهم للإيمان، حيث اعتبروا ان الايمان لا يقف عند الاعتقاد الداخلي بل يُضاف اليه أمرٌ آخرٌ ضروري هو العمل الخارجي العضوي، حيث ان المؤمن ليس مؤمنًا ما لم يكتمل له عنصر العمل المطابق لإيمانه الداخلي.

إنطلاقًا من رؤيتهم هذه سيحكم الخوارج[25] على مرتكبي الكبائر الذين يموتون قبل التوبة، بالكفر والخلود في النار،وقد استدلوا على معتقدهم ذلك بأدلة، منها قوله تعالى: { بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]؛ وهذا هو خلافهم الأساسي مع أهل السنة – بالإضافة إلى قتال علي -. وقد تبلورت تلك الفكرة في صراعهم الفكري والمسلح ضد بني أمية، عندما ظهرت قضية “الحكام الذين ارتكبوا الكبائر واقترفوا المظالم”.

بموقفهم هذا خالف الخوارج كلاًّ من الشيعة والسنّة في مسألة الإمامة[26]: فبعد ان كانت نظريتهم تقوم في بادىء الأمر على ان عليًّا قد خالف حقّ اللهِ حين رضيَ بالتحكيم[27]، تغيّرت نظرتهم بعد ذلك، فأصبحوا يقولون بعدم حصر الخلافة في علي وأولاده كما يرى الشيعة، وبعدم حصرها في قريش كما يرى أهل السنّة، “قائلين بأنه يصح أن يكون الخليفة من غير بني هاشم وقريش والعرب بوجهٍ عام، بل يصح حتّى أن يكون عبدًا حبشيًا.[و] إن الخلافة للأمة والأمة وفق الخليفة. ولذلك وجب عندهم ان تنتخب الأمة كل من تراه جديرًا بمنصب الخلافة لرعياة مصالحها، ومن حق الأمة حين يخرج الخليفة عن خطة هذه الرعاية، لا ان تعزله وحسب ، بل ان تقتله كذلك”.[28] وعلى هذا الاساس، أصرّ الخوارج على الإختيار والبيعة في الحكم، مع ضرورة محاسبة أمير المسلمين على كل صغيرة[29]، كذلك عدم حاجة الأمة الإسلامية لخليفة زمن السلم. والإمامة عندهم من “الفروع” وليست أصلا من أصول الدين، ولذلك قالوا: إن مصدرها هو الرأي وليس الكتاب أو السنّة.

ثانيًا: الشيعة ومسائل الايمان ومرتكب الكبيرة والامامة والعصمة:

نشأ التشيّع مع نشوء مسألة الخلافة أو الإمامة فور موت صاحب الدعوة الاسلامية، ومن ثمّ تبلور هذا الموقف الشيعي مع احداث الحياة العربية الاسلامية، حتّى نشأت وتفرّعت عنه مواقف سياسية وفكرية كلامية وفلسفية، تألّف منها مذاهب وفرق شيعية متعددة تضاءل بعضها ونما بعضها الآخر واتسّعت قاعدته ولا يزال يحتفظ بوجوده حتى اليوم.

ورغم تعدد واختلاف الفرق الشيعية من حيث المبدأ والاجتهاد ومن حيث المحافظة على الارتباط بالاصول الاسلامية، فإن هناك أمرًا مشتركًا بينها هو الموقف من شخص علي بن ابي طالب.

رأى الشيعة ان السلطة السياسية “لم تنته بوفاة النبي، بل انها امتدت في علي بن ابي طالب والأئمة من بعدها، وقالو بأن الخلافة بالنص والتعيين. وعارضوا مبدأ الاختيار لأن الامامة عندهم ليست قضية مصلحية تُناط باختيار العامة، وبتنصيب الامام بنصبهم، بل هي قضية اصولية، وهي ركن من أركان الدين.”[30] وهذه السلطة – اي الامامة- هي حق الهي وليست حقًّا للناس في اختيار من يصلح لقيادتهم. كما انها لا تقتصر على المجال الديني بل تتعداه الى المجال السياسي والاجتماعي والى كافة ميادين الحياة الاجتماعية؛ وهي بهذا المعنى سلطة روحية وزمانية في الآن عينه.

حاول الشيعة تأكيد رأيهم في الخلافة، وأوردوا لذلك نصوصًا عدّة من القرآن والأحاديث النبوية، وقد قسّموا النصوص القرآنية الى جليّة وخفيّة؛ فمن النصوص الجلية الآية الكريمة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [ النِّساء:59 ]. “ومن الخفيّ عندهم ان النبي بعث “علّيًا لقراءة سورة [براءة] في الموسم حين انزِلَت، فإنه بعث بها أوّلاً أبا بكر، ثم أوحى اليه: ليبلغه رجل منك-أو من قومك، فبعث عليًا، ليكون القارىء المبلغ، قالوا وهذا يدل على تقديم علي.”[31]

كما يستند الشيعة (المعتدلون منهم بالتحديد وليس الغلاة)، لتبرير امامة علي وذريته، على ما يسمّونه الدليل العقلي، تمييزًا له عن الدليل النقلي (النصوص الدينية). أمّا خلاصة الدليل العقلي فتكمن في هذه النقاط الثلاث:

1-  ان الإمام يجب ان يكون معصومًا عن الخطأ كالنبي، وتقول الشيعة “انه لم يكن عند موت النبي معصومًا غير عليّ بالاجماع، فيجب اذن ان يكون هو الامام”.[32]

2-   شرط الامام كونه لم تصدر عنه معصية، وبما ان عليًّا لم يعبد الاصنام قبل الاسلام قط، فقد تعيّن ان يكون هو الامام.

3-   انه يجب في الامام ان يكون افضل علمًا من غيره في عصره، وقد كان عليًّا كذلك، فوجب اذن ان يكون الامام دون غيره.

تمسّك الشيعة بعلي  وفضّلوه على سائر آل بيت النبّوة وسائر الصحابة لعوامل عدّة أهمها صلة القرابة التي تربطه بالنبي، شخصيته وصفاته، واستشهاده واستشهاد أبنائه. والخلاف الرئيسي بين الفرق الشيعية المتعددة تعود الى تسلسل الخلافة بعد علي، وبالتحديد منذ واقعة كربلاء وموت الامام الرابع علي بن الحسين الملقب بزين العابدين، حيث افترقت الشيعة منذ ذاك الى فرقٍ بدأت بثلاث: الإمامية (الاثني عشرية-اتباع محمد الباقر بن زين العابدين)- الزيدية (أتباع زين بن علي زين العابدين) والكيسانية (أتباع محمد بن الحنفية وهو ابن عم علي بن ابي طالب مباشرة)؛ ومن ثم أخذت الفرق الشيعية تتشعب وتتعدد[33]، وذلك تبعًا “لما كان يدخل على النظرية الشيعية من أفكار جديدة تتحرك وتتموّج في ذلك المجرى الفكري الّذي بدأ يتكوّن أولاً من البحث في مشكلة القدر ومسؤولية الفعل الإنساني وعلاقته بالفعل الإلهي، ومن الصلة بين بحث هذه المشكلة ذاتها والصراع السياسي الحزبي حول مسألة الخلافة [...] ثم بدأ يتبلور خلال نهوض الحركة الكلامية-الفلسفية النامية الصاعدة.”[34]

وهكذا نرى مثلاً في مسألة الإمامة أن الإمامية الاثني عشرية (والاسماعيلية أيضًا) قد اشترطت عصمة الإمام مستدلّين بذلك بآيات قرآنية منها آية التطهير (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيرا ) [سورة الأحزاب : آية 33]، والمراد بـ(أهل البيت) بحسب المراجع الشيعية: علي وفاطمة والحسن والحسين[35]. كما استدلّوا على ذلك ببعض الأحاديث النبوية كقول الرسول: “أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون”[36].

إذً، فالإمامة عند الشيعة هي زعامة ورئاسة إلهية عامة على جميع الناس، وهي أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها؛ إذ لابد أن يكون لكل عصر إمام وهادياٌ للناس، يخلف النبي محمد في وظائفه ومسؤولياته، ويتمكن الناس من الرجوع إليه في أمور دينهم ودنياهم، بغية إرشادهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم.

هذا في حين يغلب على تعريفات الخلافة أو الإمامة عند علماء أهل السنة قديمهم وحديثهم إعطاء الطابع التنظيمي والتنفيذي لرئاسة الدولة الإسلامية ، ولحفظ وتحقيق مصالح الناس على هدى مبادئ الشريعة[37] .وهذا يشمل إقامة الحدود ، وتدبير أمور الأمة ، وتنظيم الجيوش ، وسد الثغور ، وردع الظالم وحماية المظلوم ، وقيادة المسلمين في حجهم وغزوهم وتقسيم الفئ بينهم .وهم بذلك لا يعترفون بفصل الدين عن الدولة وسياستها وشؤونها الإدارية ، بل يعتبرون أنهما قائمان على بعضهما بعضا . ويقول ابن تيمية في ذلك : ( يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين ، بل لا قيام للدين إلا بها . فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ، ولا بد لحراسة الدين من رأس )[38].

وأمّا في موضوع مرتكب الكبيرة، فقد ذهب الامامية في هذه المسألة الى أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الايمان بالمعصية مهما كان نوعها، لانه لا يعتبر في الايمان اكثر من التصديق بالقلب عند أكثر الامامية. وقد ذكرنا أن بعضهم اضاف اليه الاقرار باللسان، فالعصاة اذا لم يبلغ بهم الحال الى الجحود والتشكيك لا يخرجون عن الايمان، وبذلك يلتقي الامامية مع الاشاعرة ومع المعتدلين من المرجئة.

ثالثًا: المرجئة ومسألة مرتكب الكبيرة

الرأي الأقرب إلى الصواب في نشأة المرجئة[39] أنها نشأت بعد ظهور الخوارج والمعتزلة كردِّ فعلٍ لهم؛ لأن الخوارج ترى أن مرتكب الكبيرة كافر مخلَّد في النار، وتكفر عليًّا وعثمان  والقائلين بالتحكيم.

والمعتزلة تقول: إن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وأنه مخلَّد في النار أيضًا؛ فظهرت المرجئة لتعلن الرأي المقابل لهذين الرأيين وتقول: إن مرتكب الكبيرة مؤمن ناجٍ، وتذهب إلى مسالمة جميع الطوائف، والقول بإيمان ونجاة كل المسلمين[40]. وعلى ذلك تكون المرجئة قد نشأت باعتبارها حزبًا سياسيًّا مستقلاًّ قام مع الحزبين الآخرين: حزب الشيعة، وحزب الخوارج.

وكانت المرجئة أول أمرها تُرجِئ أمر الصحابة المتقاتلين إلى الله تعالى، وترجئ أمر تعذيب أهل الكبائر إلى الله، ثم غلوا بعد ذلك حتى صاروا إلى قولتهم المغالية المنكرة: “لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة”. وقالوا: “إن الإيمان عقد بالقلب، وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقِيَّة وعبد الأوثان، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب، وأعلن التثليث في دار الإسلام، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان”[41]

رابعًا: المعتزلة

ظهرت في أواخر الخلافة الراشدة مع بداية زمن الأمويين حيث تطورت ونضجت جل مقولاتهم الكلامية. ومع بداية عصر العباسيين شهدت ذروة القوة والهيمنة (193-227 هـ) حتى زمن المتوكل، وبعد ذلك عرف هذا المذهب مرحلة الضعف والانحطاط[42]..

واشتهر المعتزلة بأصولهم العقدية المعروفة، وهي: التوحيد، والعدل الإلهي، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ما يهمّنا من آراء المعتزلة هو ما يتصّل مباشرةً بموقفهم من المسائل النظرية التي ولّدتها الخلافات السياسية في صدر الاسلام ومن ثمّ تلك المتعلّقة بالدولة الأموية الحديثة النشأة.

ويبدو لنا تأثير العامل السياسي واضحًا حين نتفحّص تسمية المعتزلة بهذا الاسم،فقد ترددت كلمة “اعتزال” وكلمة “معتزلة” كثيرًا في تاريخ الصراع الفكري والسياسي في الاسلام حتّى قبل “نشوء هذه الجماعة التي استقر عليها اسم “المعتزلة” في نهاية القرن الأول للهجرة وأواخر القرن السابع ميلادي”[43]. وقد دخلت هذه التسمية كمصطلح سياسي وفكري حين اُطلِقَت على جماعة من الصحابة الّذين اتّخذوا موقف الحياد من موقعة الجمل التي سبق وتكلّمنا عنها، كما انهم ايضًا اتّخذوا الموقف عينه من حرب صفّين بين علي ومعاوية، فقيل يومها عنهم انهم قد اعتزلوا عن علي ورفضوا محاربته ومحاربة خصومه معًا. وفيما بعد اُطلِقَت هذه التسمية على فئة أخرى من جماعة الحسن بين علي بن ابي طالب اعتزلت عنه وعن معاوية حين عقد الاثنان صلحًا، فانصرفت هذه الجماعة الى “العبادة وقراءة القرآن”[44]. فهل من صلة (سياسية بالدرجة الأولى) بين هؤلاء المعتزلة وأولئك الّذين يرتبطون بإعتزال واصل بن عطاء (ت:748) حلقةَ الحسن البصري؟

يكمن الجواب عن ذلك في الخلاف النظري الّذي حصل بين واصل واستاذه البصري، وهو خلافٌ يرتبط بمشكلة مرتكب الكبيرة، ففي حين رأى البصري ان مرتكب الكبيرة “منافق” ليس مكتمل الإيمان يستحق ما يستحقه غير المؤمن من الجزاء في الآخرة، رأى واصل انه “فاسق” اي مؤمن من حيث الاعتقاد ولكنه عصى أحكام الشريعة من حيث العمل بارتكابه الكبيرة. وهذا معنى تسمية “منزلة بين منزلتين” اي ان مرتكب الكبيرة هو في مرتبة وسط بين المؤمن والكافر، وليس بهذه الحالة مؤمنًا أو كافرًا.

وفي مسألة الايمان، يرى المعتزلة أن الإيمان الشرعي المعتبر مركب من أجزاء ثلاثة: اعتقاد بالقلب، وتصديق باللسان، وعمل بالجوارح. وهكذا نرىانهم قد عولوا على العمل كثيرا، والعمل عندهم له شأن لأنه لا قيمة للتكاليف إذا لم يقم بها من كلفوا بأدائها، ولهذا جعلوا الإيمان قولا ومعرفة وعملا، فالقول لا بد منه حتى يكون كالبيان والإظهار لما في القلب، ولا يمكن أن نميز المؤمن عن غيره إلا بالنطق باللسان ولا يقل العمل عندهم في تحقيق الإيمان عن الركنين الآخرين. وهذا الأمر موضع اتفاق بين المعتزلة والخوارج[45].

هكذا أصبح المعتزلة في منزلة وسط بين رأيي كل من المرجئة والخوارج. هذا الحل النظري الوسطي يبدو الى حد كبير امتدادًا للموقف السياسي -الوسطي المحايد- المعتزلي الأول في معركتي الجمل وصفّين. وجواب واصل بن عطاء جاء في سياق الكلام على الخوارج والمرجئة[46]، ومن المعلوم أن هاتين الحركتين كانتا تعبيرَا عن موقف سياسي تجاه معركة سياسية محتدمة على ارض الواقع، “فلم يبقَ اذا شك بأن القاعدة النظرية التي وضعها واصل بشأن مرتكب الكبيرة في سياق الكلام عن الخوارج والمرجئة، لم تكن بمعزل عن الواقع العربي الاسلامي بما كان يصطرع فيه حينذاك من آراء وخلافات ومواقف سياسية[47]، وان اتّخذت هذه القاعدة المعتزلية وجهها النظري المجرّد وطابعها الديني الخاص”[48].

واذا انتقلنا الى المسألة الأخرى المتصلة بمسألة مرتكب الكبيرة،اي مسألة مسؤولية الانسان عن أعماله وأفعاله (الجبرية والحرية)، نجد أن المعتزلة وفي معرض كلامهم عن العدل الإلهي، اعتبروا ان الانسان يتحمّل المسؤولية عن أفعاله خيرها وشرّها

يقترب موقف المعتزلة من الإمامة وبشكل كبير من موقف الشيعة في هذا الأمر حيث يقول الشهرستاني في هذا المقام :”لا إمامة إلا با النص والتعيين ظاهرا مكشوفا” إلاّ انه يختلف في مواضع عدّة:

 فقد ذهب المعتزلة الى “أنّ نصب الإمام واجب عقليًا، اي ان دليل الوجوب دليل عقلي”[49] ولكنه واجبٌ على العقلاء فقط وأن نصب الإمام يتم عن طريق اختيار الناس له بالشورى.

ويقول علماء المعتزلة أن الإمام لا يحتاج إلى معرفة الشرع من جهته وأنما يحتاج إلية لتنفيذ الأحكام الشرعية مثل إقامة الحدود وحفظ الثغور واعداد الجيوش والغزوات وما إلى ذلك .

ويقول النشء الأكبر عن المعتزلة في هذا المقام : ” المعتزلة كلهم صنفان : صنف أوجبوا الإمامة وزعموا أن نصب الإمام فرض على الأمة في عقد الدين ، وصنف أنكروا وجوب الإمامة وزعموا أن للمسلمين أن يقيموا إماما” ولهم أن لا يقيموا ، وليس لاحد الأمرين أولى من الأخر وشبهوا لك بالصلاة بإمام وبغير إمام وقالوا كل ذلك حسن أي أن فعلة الإنسان فجائز ، وحجة هؤلاء أن حكم الإسلام مخالف لطبيعة اتخاذ الملوك والممالك ويقولون أن النبي (ص) لم يكن ملكاً ولم يجعل ملك امتة في أحد بعدة ويبررون ذلك بقولهم (أن الملك يعود ألي الغلبة والاستئثار وفي الغلبة والاستئثار فساد الدين وابطال احكامة والرضاء بأحكام الملوك المخالفة لحكم الكتاب والسنة )[50].

أما الذين قالوا بوجوب الإمامة فانهم وضعوا لذلك شروطا” مهمة يجب أن تتوفر في الإمام أهمها :

1.       يجب أن يكون الإمام قادرا” على القيام بما يفوض إلية من الأمور .

2.       أن يكون عالما بذلك .

3.       الأمانة .

4.       أن يكون عدلا” .

 وهم يشترطون العدل في الإمام، لذا فان طاعة الإمام عند المعتزلة لاتكون لامام فاسق أو مبتدع أو مرتكب للمعاصي والذنوب أو أنة يحمل صفات منكرة أو خصال سيئة.

أما أصول اختيار الإمام عند المعتزلة فإنها-أي الإمامة- لاتقوم ألا بالاختيار والبيعة ورفضوا النص والوصية مخلفين بذلك الأمامية، وكذلك خالفوا المرجئة الذين أجازوا إمامة المتغلب على السلطة والمغتصب للإمامة. وهم يرون أن أسلوب الاختيار يختلف باختلاف وتطور الأزمنة وتغيرها ووضعوا للاجتهاد دورا كبيرا في هذا المقام، أي أن اختيار الأمام متروك للفعل البشري وما تقتضيه مصالح الناس والعباد والبلاد. وبالتالي فان المعتزلة اعتبروا أن الاختيار هومن باب الحرية للناس التي لا يجوز الاعتداء عليها.

وتمشيا مع الطابع السياسي لمنصب الإمام رأي المعتزلة جواز الخروج على الحاكم وعزلة إذا أخل بشرط من شروط المطلوب توافرها فيه والتي سبق أن ذكرناها لان منصب الإمام يستند إلى رضا المحكومين وانه يعتبر خادما لهم منفذا لحدود الله وشرعة ، وانه حتى بعد بيعته يظل استناده بجماعة المسلمين لاالى قوة غيبية ولا الى قوة عصبية أو قبلية أو أسرية فالإمام يستشير اصحابة فيما يفعل ليعرف الصواب من الخطاء كما كان يفعل رسول الله لقولة تعالى : “وامرهم شورى بينهم ” .

وهذا يعزز من فكرة أن المعتزلة يرفضون مبداء العصمة لا بل يرون بأن الإمام الذي تنطبق علية هذه الشروط ويتصف بالصفات الحسنة والأخلاق الكريمة الفاضلة ، إنما هو إمام صالح تجب طاعته وتنفيذ أوإمرة وذلك امتثالاً للآية: ” واطيعوا الله والرسول واولي الأمر منكم ” ، ولم يجز المعتزلة الخروج على الحاكم إلا إذا خالف شرع الله وحكم بما لم ينزل به الله سلطان ، أو خالف سنة النبي . ويرى المعتزلة أن الوسيلة في الأمر بالمعروف أن يبدأ بالحسنى، فإن لم يفد انتقلنا إلى اللسان، فإن لم يفد انتقلنا إلى اليد، فإن لم يفد انتقلنا إلى السيف، فهم إذاً يبدؤون من الأسهل إلى ما هو أكبر منه، ولو أحوج الأمر على السيف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا بأس في ذلك.ثم هم بناء على استعمال السيف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرون قتال المخالف لهم؛ سواء كان سلطاناً أو غيره من عامة الناس إذا كانوا جماعة وفي مقدورهم ذلك، ولذا قالوا: بوجوب الخروج على السلطان الجائر وقتال المخالفين لهم[51]..

 وهذا العدل الذي يشترطونه “يتضمن الأخذ برأيهم في التوحيد وفي القدر. فإذا عرفنا ان رأيهم في القدر لا ينفصل عن القول بحرية الانسان، اي رفض الحتمية القدرية [...] استطعنا ان نستنتج من ذلك ان مفهوم العدل الدنيوي الأرضي عندهم لا ينفصل ايضًا عن قضية حرية الانسان هذه.”[52] وهنا تتبدّى لنا تلك العلاقة بين المفهوم الديني النظري للعدل عند المعتزلة (العدل الإلهي) وبين مقابله الواقعي المتجسّد في الإمام العادل او في السلطة السياسية العادلة. وهذا ما ينقلنا الى تناول مسألة العدل الإلهي والحرية الإنسانية عند المعتزلة.

يتفق المعتزلة ان الله لا يفعل الشرور، وان ارادته لا تتدخل في فعل الطاعة من المطيع ولا في فعل الكفر من الكافر، لا بل إن الله لا يفعل الا “الاصلح” لعباده. وقد أكّدوا على حرية ارادة الانسان في افعاله.

خامسًا: مشكلة القدِر والحرية الانسانية بين القدريـّة والجبرية

الجبرية هي إحدى الفرق الكلامية التي تقول بالجبر، بمعنى أن العباد مجبورون على أعمالهم، وأول من قال بهذه المقالة هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، فالجهمية هم أول من حمل لواء هذه الدعوة، وقد كانت بدعتهم هذه ردة فعل لبدعة القدرية الذين غلوا في نفي القَدَر. والجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب[53]. والجبرية أصناف فالجبرية الخالصة لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل بالأصل. وأما الجبرية المتوسطة فتثبت للعبد قدرة غير مؤثرة؛ فأما من أثبت للقدرة الحادثة أثرا ما في العقل -وسمي ذلك كسبا- فليس بجبري والمعتزلة يسمون من لم يثبت للقدرة الحادثة في الإبداع والأحداث استقلالا جبريا وقد عدوا النجارية والضرارية والكلامية من الصفاتية والأشعرية جبرية.

أمّا القدَرية فنسبة إلى القدر، وهي فرقة كلامية زعمت أن العبد مستقل بإرادته وقدرته وليس لله في فعله مشيئة ولا خلق، وأنكر غلاتهم علم الله السابق، وأول من أظهر القول بالقدر معبد الجهني. ويعود أصل شبهة القدر الى الزعم بتنزيه الله عن نسبة الشر والكفر اليه فى افعال

العباد،  فزعم أصحاب هذا المذهب ان العباد هم الفاعلين للشر والكفر، وغفلوا انهم بذلك اخرجوا قسما عريضا من افعال العباد وأراداتهم خارج إرادة الله وخلقه فلم يعد الله  فاعلا لكل مافى الكون ، واصبح فى كون الله مالم يخلقه الله.[54] وتعتبر المعتزلة كفرقة كلامية امتداداً للقدرية الأوائل بحيث تبنوا آرائهم وعمَّقوها من الناحية الفلسفية، ولهذا سمَّي المعتزلة بالقدرية.

وقد استند كل من أصحاب الجبر والقدَريون الى النصوص الدينية وبالتحديد تلك الآيات القرآنية التي تدعم وجهة نظر كل من الفريقين.[55]

و”إذا أخذنا بالحسبان أولاً ان الظاهرات الفكرية لا تنشأ تلقائيًا دون ممهدات سابقة لها. وثانيًا [انها] لا تنشأ بمعزل عن الظاهرات الاجتماعية[...] واذا أخذنا بالحسبان ثالثًا ان بحث مشكلة القدر بالخصوص قد ارتبط بموقف سياسي في جوهره وديني في مظهره [...] صحّ لنا أخيرًا ان نستبعد القول الشائع لدى كثير من مؤرّخي الفلسفة العربية بأن البحث في هذه المشكلة بدأ مع معبد الجهني”[56] في ما بين النصف الأول والنصف الثاني من القرن الأول للهجرة.

كما يُمكِن الرجوع الى شواهد تاريخية عديدة تُظهِر ان التفكير بمسألة القدَر، وما يتعلق منها من أفكار تطال حرية الانسان ومسؤوليته، تعود الى عهد الخلفاء الراشدين.[57] وقد كانت مواقف الخلفاء الراشدين والصحابة متباينة. وهذا ما يدفعنا الى القول ان هذه المسألة كانت ذات واقع موضوعي قائم بصورة مستقلة قبل ظهور معبد الجهني وغيلان الدمشقي. كما أن هذه المسألة ستأخذ مظهرها الجلي منذ لحظة بدء الحكم الأموي، حيث ” احتاج الاُمويون منذ البداية إلى تبرير سياستهم الجائرة وركوبهم المعاصي ، فذهبوا إلى تأويل بعض آي القرآن الكريم بما يفيد الجبر والتسيير ، ليقولوا للناس إنّ ما صنعناه إنّما هو من قضاء الله تعالى وقدره ، وليس من أيدينا ، بل حتّي مناصبهم هذه فهي من الله تعالى فهو الذي جاء بهم إلى الملك وملّكهم ، لأنّه تعالى مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء !! هكذا ليكونوا أبرياء من كلّ ما ارتكبوه في طريقهم إلى انتزاع الملك ! وليكونوا مخولين في كلّ ما يصنعون بعد ذلك”[58]

وقد يبدو للوهلة الأولى أنّ أهل القدر هم أصحاب مقالة كلاميّة نظريّة قوامها أنّ الإنسان فاعل بإرادته وقدرته وهو مسؤول في الدنيا والآخرة على أفعاله، لكنّ هذه المقالة سياسيّة بامتياز إذ تأسّست عليها ثورات ضدّ الحكم الأمويّ.

و خلاصة القول إن قضية أفعال العباد بين الحرية والجبرية تكتسب دلالتها العميقة من خلال الكشف عن الأفق السياسي الذي يحركها، فلا يمكن دراسة أي قضية في علم الكلام دون الكشف عن السياق السياسي الذي تخلقت فيه، لأن ذلك يضيء مساحات مظلمة في تاريخنا الثقافي، والذي قام فيه السياسي بالدور الفاعل في تحريك الديني والثقافي لخدمة أغراضه.

الخاتمة

حاولنا في هذا البحث تبيان دور الشرط السياسي في تأسيسه للعمل النظري ولمقولاته، وهكذا نظرنا الى المسائل الكلامية في مرحلتها الجنينية بإعتبارها نتيجة مباشرة حينًا وغير مباشرة حينًا آخرًا لتلك الشروط السياسية التي طبعت بطبعها الصدر الأول للإسلام.

وقد تمحور بحثنا بالدرجة الأولى على تناول المرحلة الكلامية العملية السياسية المظهر منتقين بعض الفرق العقائدية والكلامية الاسلامية محاولين تبيان أثر الصراع السياسي على نشوء النظر العقلي الديني. واقتصرنا في هذا البحث على فرق الشيعة والخوارج والمعتزلة والمرجئة والجبرية والقدرية، محاولين المحاججة عن رؤيتنا ومفادها أن أحداث الصدر الأول للإسلام منذ وفاة النبي حتى معركة صفّين في سياقها السّياسيّ المضطرب، قد شكّلت إرهاصات علم الكلام الإسلامي أو علم العقائد، فكانت عبارة عن مقولات سياسيّة مختزلة مركّزة تعبّر على مواقف أصحابها من الأحداث مشبعة بالعمق العقائديّ وبالمظهر الديني. وقد كانت الأسئلة واقعيّة مباشَرَة ظرفيّة، لكنّها سرعان ما أنتجت مقالات كلاميّة وإرهاصات تشكّلات سياسيّة عقائديّة ستتألّف عنها لاحقا فرقٌ ومذاهب لكلّ منها “أدواته” النقلية والعقلية.

لائحة المصادر والمراجع

 

1)     مروة، حسين، النزعات المادية في الاسلام، دار الفارابي، بيروت،طبعة عام 1987، الجزء الأول.

2)     الشهرستاني،أبو بكر أحمد، الملل والنِحَل،تحقيق محمد سعيد الكيلاني، دار صعب، بيروت، طبعة 1987، الجزء الأول.

3)     سوريل،دومينيك، الاسلام في القرون الوسطى، ترجمة علي المقلد،دار التنوير،بيروت، الطبعة الاولى،1983.

4)     المغربي، علي عبد الفتّاح،الفرق الكلامية الإسلامية، مدخل ودراسة،مكتبة وهيبة،القاهرة،الطبعة الثانية 1995.

5)     هويدي، يحيى، دراسات في علم الكلام والفلسفة الاسلامية،دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة،الطبعة الثانية 1979.

6)     الفضلي، عبد الهادي،خلاصة علم الكلام،دار المؤرّخ العربي، بيروت، الطبعة الثانية،1993.

7)     النشّار، علي سامي، نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام،دار المعارف، القاهرة، الطبعة الخامسة، 1971.

لائحة المصادر الالكترونية

1)     (الظروف التاريخية لنشوء وتطور الفلسفة العربية الإسلامية-د. عيدروس نصر-

http://www.aleshteraki.net/articles.php?lng=arabic&aid=1400)

2)     السيد علي الحسيني الميلاني،الإمامة في أهمّ الكتب الكلاميّة، منقول عن شبكة الانترنت على الموقع :

http://rafed.net/booklib/view.php?type=c_fbook&b_id=73&page=151#522

3)     الموسوعة العَقَدية

http://www.dorar.net/enc/aqadia

4)     http://hadith.al-islam.com

5)     http://www.islamww.com/booksww/pg.php?b=3972&pageID=529

6)     عيساوي، سهيل،ثورات فجّرت صمت التاريخ الاسلامي،نقلاً عن الانترنت:

http://www.khayma.com/sohel/thawrat/thawrat.htm

7)     http://alnor.4t.com/t

8)     http://alkafi.net/vb/

9)     http://www.mezan.net/r

10)  http://rafed.net/booklib/view.php?type=c_fbook&b_id=21&page=71#71

11) http://www.islamstory.com/ar/

12) http://ar.wikipedia.org

الهوامش


[1] مروة، حسين، النزعات المادية في الاسلام، دار الفارابي، بيروت، 1987، الجزء الأول،ص 290.

[2] لقد شهد مجتمع الجزيرة العربية ومكة على وجه الخصوص انقساما طبقيا حادا بين الذين “يكنزون الذهب والفضة” من أغنياء القوم من تجار ومرابين ومالكي العبيد وبين “المستضعفين في الأرض” من الأحرار الفقراء، وشبه الأحرار والعبيد والموالي، هذا الانقسام جاء نتيجة للإفراط في السيطرة على الثروة من قبل الأغنياء وهو أمر يزداد معه الغني غناء والفقير فقرا وقد جاء الإسلام ليضع حدا لهذه العلاقات القائمة على الظلم والاستغلال والتمايز الاجتماعي. لقد تشكلت بالتدريج طبقتان اجتماعيتان لهما مصالح ومطامح اجتماعية واقتصادية وحقوقية متعارضة، ففي الطرف الأول برز المسيطرون على التجارة والمنظمون لها والمرابين وأرستقراطيي الكعبة الدينيين، ذوي الامتيازات الخاصة، وكان القرشيون في طليعة هؤلاء. . . . . أما على الطرف الآخر فقد وجد العوام الأحرار وأنصاف الأحرار والأرقاء الذين كان وضعهم الاقتصادي والاجتماعي يزداد سوءا ومكونات هذه الطبقة تشكلت في مكة والمدن الأخرى ووجد أفرادها أنفسهم من خلال عملية كسب معيشتهم متعارضين مع مصالح أغنياء التجار وملاك العبيد والمرابين وأصحاب المصالح المالية المتضخمة .

 (الظروف التاريخية لنشوء وتطور الفلسفة العربية الإسلامية-د. عيدروس نصر-http://www.aleshteraki.net/articles.php?lng=arabic&aid=1400)

[3] (والمراد من أهل الردة اُولئك الذين أعرضوا عن الإسلام وكانت في نيتهم مهاجمة المدينة، وليس اُولئك الذين أطلق عليهم هذا اللقب لمعارضتهم خلافة أبي بكر).

[4] وقد قُضي أيام خلافة أبي بكر على تمرّد أهل الردّة، واستقرّت الأوضاع في الجزيرة العربية، بيد أن الأخطار الخارجية المتأتّية من القوّتين الكبريين كانت تؤرّق المسلمين، خاصة أن عملاءهما كانوا يجاورون المسلمين ولا يأمن جانبهم من أي هجوم.

[5] السيد علي الحسيني الميلاني،الإمامة في أهمّ الكتب الكلاميّة، منقول عن شبكة الانترنت على الموقع :

http://rafed.net/booklib/view.php?type=c_fbook&b_id=73&page=151#522

[6] ابن خلدون، المقدمة، ص 190.

[7] الموسوعة العَقَدية،الكتاب العاشر: متفرقات في العقيدة ،الباب الثاني: الإمامة ،الفصل الأول: تعريف الإمامة ، المبحث الرابع: الترادف بين ألفاظ: الإمام والخليفة وأمير المؤمنين. منقول عن شبكة الانترنت على الموقع:

http://www.dorar.net/enc/aqadia/3886

[8] الشهرستاني،أبو بكر أحمد، الملل والنِحَل،تحقيق محمد سعيد الكيلاني، دار صعب، بيروت، طبعة 1987، الجزء الأول، ص24.

[9] مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين:1/34,نشرة محيي الدين عبد الحميد. نقلا عن السبحاني في مقدمته على نهاية المرام في علم الكلام/ تحقيق: فاضل عرفان/ منشورات مؤسسة الامام الصادق عليه السلام,قم-ايران, ط.الاولى1419ه-ج1 ص15.

[10] المصر نفسه، ص 28.

[11] سوريل،دومينيك، الاسلام في القرون الوسطى، ترجمة علي المقلد،دار التنوير،بيروت، الطبعة الاولى،1983،ص88.

[12] أبو بكر الصّدّيق، واسمه عبد الله بن أبي قحافة التيمي القرشي، أول الخلفاء الراشدين وأحد أوائل الصحابة الذين أسلموا من أهل قريش ورافقوا النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم منذ بدء الإسلام، وهو صديقه ورفيقه في الهجرة إلى المدينة المنورة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة عند أهل السنة والجماعة، أسلم على يده الكثير من الصحابة. وهو والد عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولد سنة 50 ق هـ (573م) بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر. كان سيدًا من سادة قريش وغنيًا من كبار أغنيائهم، وكان ممن رفضوا عبادة الأصنام في الجاهلية. يُعرف في التراث السني بـ “أبي بكر الصّدّيق” لأنه صدّق النبي محمد في قصّة الإسراء والمعراج، وقيل لأنه كان يصدّق النبي في كل خبر يأتيه. بُويع بالخلافة يوم الثلاثاء 2 ربيع الأول سنة 11 هـ، واستمرت خلافته قرابة سنتين وأربعة أشهر. توفي في يوم الإثنين 22 جمادى الأولى سنة 13 هـ.

[13] المغربي، علي عبد الفتّاح،الفرق الكلامية والإسلامية، مدخل ودراسة،مكتبة وهيبة،القاهرة،الطبعة الثانية 1995،ص55.

[14] ومن هذه النصوص ما أشارت إلى أحقّية أبي بكر في تولي الخلافة بعد النبي محمد. فمنها:ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما وأحمد في المسند وغيرهم:« عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال : أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم ،فأمرها أن ترجع إليه، قالت : أرأيت إن جئت ولم أجدك ؟ كأنها تقول : الموت، قال صلى الله عليه وسلم : «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» . وقد روى البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن وغيرهم عن عدد من الصحابة منهم أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عمر وعائشة:«لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثالثة فقال: «إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس» فخرج أبو بكر فصلى فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه.»  وهذا الحديث الأخير جعل العديد من المسلمين يعتبرون ان “الامامة في الصلاة هي الامامة الصغرى، وأنّ ذلك يوحي بإسناد النبي الإمامة الكبرى الى أبي بكر، وهي الإمامة العامة في سائر شؤون الإسلام والمسلمين.”

صحيح البخاري حديق رقم 6680 باب الاستخلاف- صحيح مسلم حديث رقم 4398 باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه- مسند احمد – حديث جبير بن مطعم – رقم 16154

(منقول عن الانترنت- http://hadith.al-islam.com/Loader.aspx?pageid=194&BookID=25

                        http://hadith.al-islam.com/Loader.aspx?pageid=194&BookID=24

[15] مروة، حسين، النزعات المادية في الاسلام، الجزء الأول، مصدر سابق، ص 395.

[16] ^ مسند ابن حنبل: ج1، ص254; تاريخ دمشق: ج42، ص207 و 208، 448; خصائص النسائي: ص181; المعجم الكبير: ج17، ص39; سنن الترمذي: ج5، ص633; المستدرك على الصحيحين: ج13، ص135; المعجم الأوسط: ج6، ص95; مسند أبي يعلي: ج1، ص280; المحاسن والمساوئ: ص41; مناقب الخوارزمي: ص104 ؛الصواعق المحرقة، لابن حجر الهيثمي المكي الشافعي، ص25، طبعة الميمنية بمصر ؛ كنز العمال للمتقي الهندي ج1/ص168/ح959، ط 2. 3. تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي، ج2/ص45/ح545، ترجمة الإمام علي.

عن الانترنت:

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%AF%D9%8A%D8%B1#cite_note–0

[17] هويدي، يحيى، دراسات في علم الكلام والفلسفة الاسلامية،دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة،الطبعة الثانية 1979، ص80 .

[18] (11هـ. – 13هـ./632م. – 634م.) حروب الرّدّة هي الحروب التي حدثت بعد وفاة رّسول الإسلام محمد بسبب ارتداد غالبيّة العرب عن الإسلام، فلم يبقَ مواليًا لحكم أبي بكر سوى القبائل المحيطة بالمدينة بالإضافة إلى سكان المدينة، ومكة، والطائف. لقد قرّر الخليفة أبو بكر الصّديق مقاتلة جميع المرتدّين ولم يترك أحدًا منهم رغم توجّه بعض الصّحابة إليه أن يترك من امتنع عن دفع الزّكاة من القبائل ولكن هذا الرأى لم يلق قبولا من الخليفة الأول. فأرسل الجيوش الإسلاميّة بقيادة عكرمة بن أبي جهل لمحاربة لقيط بن مالك في دبا فحاربه حتى قتل في المعركة. ومن ثم خالد بن الوليد لمحاربة مسيلمة الكذاب. وإنتصر خالد على مسيلمة في معركة اليمامة التي كانت من أقسى المعارك التي خاضها المسلمون.

[19] مروة، حسين، النزعات المادية في الاسلام، الجزء الأول، مصدر سابق، ص 460.

[20] العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي.

محمّل عن الانترنت:

http://ia700300.us.archive.org/32/items/rodoud_Ach3ariya2/al3awasem.pdf

[21] تاريخ الطبري ج 4 ص 407 ./ الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص 206 / الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج1 ص 49 .

نقلاً عن الانترنت:

http://www.islamww.com/booksww/pg.php?b=4009&pageID=1277

http://www.islamww.com/booksww/pg.php?b=3972&pageID=528

http://www.islamww.com/booksww/pg.php?b=3972&pageID=529

[22] عيساوي، سهيل،ثورات فجّرت صمت التاريخ الاسلامي،نقلاً عن الانترنت:

http://www.khayma.com/sohel/thawrat/thawrat.htm

[23] أطلقوا على أنفسهم:المؤمنون – جماعة المؤمنين – الجماعة المؤمنة، فيما أطلق عليهم خصومهم الفكريون والسياسيون اسم “الخوارج” لخروجهم -في رأي خصومهم- على أئمة الحق والعدل، وثوراتهم المتعددة. ولما شاع هذا الاسم، قبلوا به ولكنهم فسروه على أنه: خروج على أئمة الجور والفسق والضعف” وان خروجهم غنما هو جهاد في سبيل الله

[24] مروة حسين، النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية، مصدر سابق، ص510.

[25] كان أغلب الخوارج من “القراء” أي حملة القرآن الكريم.

[26] يعتقدون أن إمامة أبي بكر وعمر إمامة شرعية لا شك في صحتها ولا ريب عندهم في شرعيتها، وأن إمامتهما كانت برضا المؤمنين ورغبتهم وأنهما سارا على الطريق المستقيم

[27] ولذلك نراهم يكفرون عليا ابن أبي طالب لأنهم طلبوا إليه أن يتوب توبة مقرونة بالعمل, والعمل المطلوب منه أن يرفض وثيقة التحكيم ويعود إلى قتال معاوية فأبى, فاعتبروه رافضا العمل بأحكام الدين, لأنه بقبوله وثيقة التحكيم يكون قد خلع نفسه من إمارة المؤمنين وسوى نفسه بمعاوية, وهو وال من ولاة الدولة, وأن الحكمين حكما برأيهما ولم يحكما بحكم الله, وحكم الله يقضي بتأييد حق علي في الخلافة, لأنه هو الخليفة الذي بايعه المسلمون, فكان رفض طلبهم كبيرة, أحلوا من أجلها قتال علي وقتله

[28] المصدر السابق، ص511-512.

[29] اشتهر الخوارج بقدراتهم القتالية وزهدهم عن الثروة وعدم حرصهم على الاقتناء كما اشتهروا بنسك وتقوى وصدق وشجاعة طبعت سلوكهم وسجلها لهم خصومهم في كتاباتهم.

وقف الخوارج أنفسهم لنصرة العدل ومقاومة الظلم وحماية المستضعفين، وفي ذلك فجروا الثورات ضد الأمويين وضد عمالهم، وانضم إلى الموالي من الفرس والأمازيغ من أهل شمالي إفريقية. وكان الخوارج يشترطون في زعمائهم الشجاعة والتقوى ويبايعونهم على الموت ويلقبونهم بأمير المؤمنين. وكان قتالهم لمخالفيهم من الأشواق التي كانت تجذبهم إلى مزيد من التضحية والاستشهاد وهم يعتبرون أنفسهم المسلمين حقا دون سواهم أما من عاداهم فكفار يبيحون قتلهم.

[30] المغربي، علي عبد الفتّاح،الفرق الكلامية والإسلامية، مدخل ودراسة،مكتبة وهيبة،القاهرة،الطبعة الثانية 1995،ص 138.

[31] ن.م.

[32] مروة، حسين، النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية، المصدر السابق، ص 496.

[33] تنقسم الشيعة في يومنا إلى ثلاث أجنحة رئيسية وكل جناح به بعض المدارس الفكرية والفقهية التي تختلف سويا في بعض المفاهيم والتفسيرات:

الزيدية وقد تضمنت الزيدية أيضاً في بدايتها عدة فرق وتيارات كلها انقرضت

الإمامية وتفرعت إلى:

الإثنا عشرية وهو غالبية الشيعة الموجودين في زماننا، وبها ثلاث مدارس فكرية رئيسية :

الأصولية

الإخبارية

الشيخية

العلويون أو طائفة من المسلمين الشيعة الإمامية. عقيدتهم هي نفس العقيدة الإمامية الجعفرية ولهم نفس تسلسل الأئمة الاثنا عشر وتقول مصادر انهم قد افترقوا عن الاثناعشرية ما بعد الإمام العاشر علي الهادي.ويقال الإمام الحادي عشر الحسن العسكري، ولكن العلويون أنفسهم يؤكدون أن لهم نفس تسلسل أئمة الإثنا عشرية.

الإسماعيلية وانقسمت الإسماعيلية عبر تاريخها

الدروز

النزارية وتسمى حديثا بالأغاخانية

الحشاشون وكانوا بمثابة فرقة عسكرية تابعة للنزارية

المستعلية الطيبية وتسمى حديثا بالبهرة

بهرة داودية

بهرة سليمانية

بهرة علوية

المرجع الالكتروني :

http://ar.wikipedia.org

[34] مروة، حسين، النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية، مصدر سابق، ص 495.

[35] http://alnor.4t.com/tateher14.htm

(المبحث الثامن: بعض محققو الشيعة الإمامية وآية التطهير )

[37] محمد سليم العوا : في النظام السياسي للدولة الإسلامية ، ص 126 – 127 .

[38] ابن تيمية : السياسة الشرعية ، ص 165.

[39] تشعبّت المرجئة الى عدة فرق أهمها على الاطلاق الجهمية، اي  أتباع الجهم بن صفوان، وهم يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به. كما زعمت الجهميّة أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعَّض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح

[40] وقد وقف أكثر الفقهاء من أهل السنة والمحدثين موقفا وسطا, فرأوا أن قول المرجئة بعفو الله عن المعاصي قد يطمع الفساق, فقرروا أن مرتكب الذنب يعذب بمقدار ما أذنب ولا يخلد في النار, وقد يعفو الله عنه. ويعرف هؤلاء بمرجئة السنة ومنهم سعيد بن جبير وحماد ابن أبي سليمان وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وآخرون.

[42] وقد افترقت المعتزلة فيما بينها عشرين فرقة، كل فرقة منها تكفِّر سائرها، وهذه الفرق هي الواصلية، والعمرية، والهذيلية، والنظامية، والأسوارية، والمعمرية، والإسكافية، والجعفرية، والبشرية، والمردارية، والهشامية، والتمامية، والجاحظية، والحايطية، والحمارية، والخياطية، وأصحاب صالح قبة، والمويسية، والشحامية، والكعبية، والجبابية، والبهشمية المنسوبة إلى أبي هاشم بن الحبالى. فهذه ثنتان وعشرون فرقة، فرقتان منها من جملة مائة وأربعين من فرق الغلاة في الكفر، وهما الحايطية والحمارية، وعشرون منها قدرية محضة

(راجع قصة الاسلام نقلاً عن الموقع الالكتروني:

http://www.islamstory.com/ar/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%AA%D8%B2%D9%84%D8%A9_%D9%81%D8%B1%D9%82_%D9%88%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86

[43] مروة، حسين، النزعات المادية في الفلسفة الاسلامية، المصدر السابق، ص 631.

[44] المصدر السابق ص632.

[45] راجع نقلاً عن الموقع الالكتروني-موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام – المبحث الأول: حقيقة الإيمان عند المعتزلة

http://www.dorar.net/enc/firq/775

[46] الملل والنحل للشهرستاني، مصدر سبق ذكره، ص 48-49.

[47] وقد كان للمعتزلة دور ونشاط في نشر دعوتهم إبان الدولة الأموية إذ إن يزيد بن الوليد الخليفة الأموي الملقب بيزيد الناقص قد قال بقولهم في القدر بل وقرب إليه أصحاب غيلان الدمشقي وقد ساعدته المعتزلة في الظفر بالخلافة والقضاء على الخليفة الذي سبقه الوليد بن يزيد بن عبد الملك. كما أن الجعد بن درهم كان مربيا لآخر خلفاء الدولة الأموية مروان بن محمد حتى أنه لقب بمروان الجعدي نسبة إليه.وكان لواصل فضل كبير في نشر دعوة الاعتزال حيث إنه أرسل دعاته إلى كافة البلدان، فبعث عبد الله بن الحارث إلى المغرب، وحفص بن سالم إلى خراسان، والقاسم إلى اليمن، والحسن بن ذكوان إلى الكوفة، وعثمان الطويل – شيخ العلاف – إلى أرمينية  .

راجع الموقع الالكتروني:

http://www.dorar.net/enc/firq/795

[48] مروة، حسين، النزعات المادية في الفلسفة الاسلامية، المصدر السابق، ص637.

[49] الفضلي، عبد الهادي،خلاصة علم الكلام،دار المؤرّخ العربي، بيروت، الطبعة الثانية،1993، ص283.

[50] راجع الموقع الالكتروني

http://www.dorar.net/enc/firq/664&print?pda

(اﻟﻣﺑﺣث اﻟﺧﺎﻣس: إﺑطﺎل ﻣزاﻋم اﻟﺷيعة واﻟﻣﺳﺗﺷرﻗين ﺣول ﻧﺳﺑﺔ اﻟﻣﻌﺗزﻟﺔ إﻟﻰ اﻟﺻﺣﺎﺑﺔ)

[51] راجع الموقع الالكتروني http://www.dorar.net/enc/firq/770

(المبحث الثاني: رأي المعتزلة في الوسيلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحكم الخروج على السلطان وقتال المخالف لهم، وهل يفرقون بين قتال الكافر والفاسق؟)

[52] مروة، حسين، النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية، مصدر سابق، ص 767.

[53] وإذا كان الجهمية ودعاة الجبرية ينفون القدرة عن الإنسان فإنهم في الإلهيات كانوا ينفون الصفات، ويقولون بخلق القرآن، وكانت معظم معتقداتهم في الإلهيات تغاير معتقدات أهل السنة والجماعة، وفقهاء السلف الصالح، وكانوا ينادون بأن الخلافة بالاختيار، ويرفضون القرشية كشرط أساسي للبيعة.

[54] ويمكن التّمييز بين :

* قدريّة البصرة وزعيمهم الحسن البصري ت 110هـ، وكانوا رغم تحفّظهم على السياسة الأمويّة ومعارضتهم لها ملتزمين بالنّهج الإصلاحي السّلمي على اعتبار أنّ ظلم الحكّام هو نتاج فساد الرعيّة أي كما تكونون يُولّى عليكم.

* قدريّة الشّام الذين اختاروا المعارضة العسكريّة بقيادة غيلان الدّمشقي.

وقد تسبّب ذلك في اندثار قدريّة الشّام وتواصل قدريّة البصرة الذين شكّلوا لاحقا نواة بشريّة وقاعدة نظريّة للاعتزال

[55] من الآيات التي تدل على التخيير والتي تدعم وجهة نظر القدَرَية:

﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً) ( سورة الكهف: آية ” 29 ” )

وفي قوله تعالى في سورة البقرة:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ( سورة البقرة: آية ” 148″)

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾( سورة البقرة: آية: ” 286 ” )

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ ( سورة الإنسان: آية ” 3 ” )

أمّا الآيات التي تدل على التسيير والتي تدعم وجهة نظر الجبرية فمنها:

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ ( سورة الرعد: آية ” 27 ” )

﴿… وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ…﴾ ( سورة إبراهيم: آية ” 4 ” )

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ( سورة السجدة: آية ” 13 ” )

[56] المصدر السابق، ص 556.

[57] النشّار، علي سامي، نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام،دار المعارف، القاهرة، الطبعة الخامسة، 1971،الجزء الاول، ص ص 317-225-276.

راجع ايضًا : الموسوعة العقدية  » الكتاب السابع: الإيمان بالقضاء والقدر » الباب الأول: تعريف القضاء والقدر وحكمه ومراتبه » الفصل الأول: تعريف القضاء والقدر » المبحث الثالث: نشأة القول بالقدر (القدرية الأولى)

الموقع الالكتروني:

http://www.dorar.net/enc/aqadia/2919

[58] عبدالحميد، صائب،المذاهب والفرق في الإسلام.

عن الموقع الالكتروني:

http://rafed.net/booklib/view.php?type=c_fbook&b_id=21&page=71#71

2012/04/03

مختارات من الشاعر الياباني يوكيشي ياكي (1898-1927)

بواسطة William Outa

مختارات من الشاعر الياباني

يوكيشي ياكي

(1898-1927)


  • ·       دموع

لأنني شعرتُ بالملل،

كنتُ أقفُ تحت ضوء الشمسِ الساطع

أذرفُ دمعًا.


  • ·       حافلٌ بخرابٍ تام

سكونٌ

عند الفجر.

سكونٌ

في المساء.

مع ذلك، أقضي أيامًا غاضبةً.

كم كنتُ مبتهجًا

 في ذلك اليوم

بدون غضب.

***

في وضحِ نهارٍ خريفيّ-

ما هذه الدمدمة؟

من هذا الفلاح؟

اين الكرّات المسروق من حقلكَ ليلَ أمس؟

أستلقي على الجُرفِ.

هو يومٌ مملٌّ صافٍ.

***

طريقٌ أبيضٌ مقفرُ

يتمدد.

انه يومٌ خريفيَ

كتمزّقٍ يفتتحُ

ليلًا

حارًا

وجديد.

  • ·       مستنقعٌ.

بينما انعمُ النظرَ

الى المستنقع البارد،

تموج الطحالبُ بلطفٍ

مثلما كان زفيرٌ يموج.

  • ·       إن شعرتُ حقًّا

بإحساس السعادةِ

سيكون جليًا

حين سأسير طول الطريق،

خصوصًا

حين

،وفجأةً،

يتحوّل الى

ممرٍ ضيّقٍ هادىء.

***

إن تحديدًا الآن

طاردتُ الحبَّ في كلِّ الانحاء،

عندئذٍ، سيتوهّج شِعريَ إشراقًا،

ومع ذلك، روحُهُ ستفنى.


  • ·       أريدُ أن أكون وردةً.

أريدُ أن أكون ملاكًا.

أريدُ أن أكون وردةً.


  • ·       البستانيّ

يومٌ مشمسٌ مشرقٌ

أنظرْ الى النافذة!

يعمل البستاني بين الاشجار، كل يومٍ.

يومٌ حارّ.

من ذا الّذي في قلبيَ،

يشذّب طوال النهار

بالرغم من انني

لم ألتمسْ ذلك منه؟


  • ·       شمسٌ خامدة

تتناثر فرِحةً قطراتٌ من ضوءٍ،

يزحفُ الطفلُ الى الاعلى

صوب عالمٍ ما برحَ خاليًا من الأثلام.

يتشقلبُ الى الأمام،

تنقلبُ الساعةُ الرمليةُ،

ويبدأُ عصرٌ جديد.

يلتقطُ نجومًا كي يقفزَ كالأحجار،

ترفرف الاسماك العتيقة بزعانفها

تضحك،

وترشُّ أقدام الآلهة.

في الوقت المناسب،

يزدادُ الطفلُ طولاً،

تزدادُ ذاكرته كثافةً.

يمتلىء العالمُ بآثار أقدامه،

ومتثائبًا، يغادرُ الطفلُ الى عالمٍ مجهولٍ،

مع الشمس التي لا تزال عالقةً، ميّتةً، في جيبه.


  • ·       صراصير

صراصيرٌ تغنّي،

تغنّي كأنها تقول

“إن لم أغنِّ الآن سيكون قد فات الأوان “.

عادةً،

يُبكيني هذا.


  • ·       غيوم

يومٌ مع غيوم:

الغيوم حزينة.

يومٌ بلا غيوم:

السماءُ حزينة.


  • ·       دفنُ يرقانة.

عند منتصف النهار

أدفن يرقانة تحت التراب.


  • ·       مشهدٌ مغرٍ

محدِّقًا بهذا الموقدِ

خطوتُ كي أحطّمه قطعةً قطعة.

هذا الموقد الّذي يطقطق!

كم هو وحشيّ!


  • ·       نيّة

يبدو لي انه يجب ان اعود الى الديار.


  • ·       عصا زجاجية رقيقة

تكسّرت

رنينًا.


  • ·       شعلة ساكنة

كلّ شجرةٍ

تلقي بظلّها.

شعلةٌ ساكنة هي الشجرة.


  • ·       حصاة

كنتُ مريضًا لفترة طالت،

وكنتُ اسيرُ ورأسي منحدِرًا،

حين وجدتُ حصاة مفردة تائهة

تغتسلُ في ضوء الشمسِ.


  • ·       جرّة

أريد أن أعشقَ جرةً.

اليوم- اوه!

ايتها الجرّة التي تنهضُ في سكون قلبيَ!

ليس لديك شيءٌ في داخلكِ.

فراغكِ.

ايتها الجرة،

قلبيَ يرتعد بغرابةٍ

يناديكِ “جرّتي”.


  • ·       وجهٌ

أما مِن وجهٍ في مكانٍ ما

يسعد قلبيَ بالفعل؟

أعبرُ رشيقًا عبر ذاك الوجهِ

واعلم ان هناك

حقًا

دنيا طيّبة.


  • ·       شجرةٌ سوداء

وأنا انظر الى الشجرة السوداء،

تطلَّ عليَّ في الاسفل

وتسأل إن ما زلتُ

لا أملك

شيئًا لفعله.


  • ·       الريحُ تصفِّرُ

تصفّرُ الريحُ عبرَ حبة قمحٍ.

تصفّرُ “متّْ!”

تصفّرُ “مُتّْ!”

وأظنّني سوف أموت.


  • ·       القلبُ يومًا ما

يومًا ما

أصبحَ القلبُ جبلاً.

يومًا ما

أصبحَ القلبُ السماءَ.

يومًا ما

أصبح القلبُ أنا

وكان باردًا.


  • ·       رصاصة وفراشة

داخل الرصاصةِ

تحلّقُ فراشةٌ.


  • ·       عيون أمي

في المساء

حين أفتح عيوني

أتذكّر أمي في بلدتي البعيدة،

تفتح عيونها أيضًا

وتقول

“يا ولدي الجميل”.


  • ·       ايها القلب

ايها القلب

أراك لاحقًا.

لكن

أرجوك عدْ ثانيةً.

بعد كلّ شيء

كنتَ أفضلَ حالاً هنا.

ايها القلب

اراك لاحقًا.



  • ·       حزن

أما مِن قوّة

تستطيع أن تقوّيَ هذا الحزن؟


  • ·       ربيع

كلبٌ اسودٌ

تمشّى بطيئًا صوب الشرفة

وهو ينظر اليّ.


http://www.poetryinternational.org/piw_cms/cms/cms_module/index.php?obj_id=13206